بعيدًا عن الشّد والجذب, بعيدا عن تلف الأعصاب وحشرجة الأففففّ تتصاعد من كعوبنا, بعيدا عن القال والقيل ونتائج هذا الاجتماع أو ذاك, هذه الطوشة أو تلك, باستعمال كلّ ما أمكن حمله بين الجيران والحيطان وبين الأعضاء.. تذكّرت نادرة قد حدثت أمامي في يوم بعيد قريب من أيام عمّان.. العاصمة.
رأيت أن أشرككم بها:
كنت مديرًا للمنطقة الثانية(اليرموك حاليًا) في أمانة العاصمة/عمّان.
شكا للمديرية سكان درج حي وادي سرور (لم يكن فيه من السرور سوى اسمه).. الكائن ما بين جبل الجوفة وجبل الأشرفية من نهاية شارع الطلياني، من جار لهم دأب على ترك مخلفات منزله المائية القذرة تنساب على منازلهم التي تقع في مستوى منخفض عن منزله. كعقاب له على تكرار فعلته وضرب عرض الحائط بالإنذارات والمخالفات العديدة، قررت بناء على تنسيب من طبيب المديرية قطع المياه عن منزل الجار (النّكد)، وهو عقاب يلجأ إليه في آخر المطاف.
مرّت الأيام والمجاورون ما زالوا يتوافدون على المديرية زرافات ووحداناً يشكون مرّ الشكوى منه، رغم قطع المياه عن منزل الجار المشاكس الذي كان في وسط الدرج الطويل حيث لا يمكن لصهريج ماء أن يصله.
حزمت أمري أنا (سعادة المدير) وقررت الذهاب بنفسي لأقف على حقيقة الأمر.
رأيت المكرهة الصحيّة الحقيقية التي يعاني منها السكان من هذا الجار العنيد, المتحلّف لكلّ من اشتكى عليه.
فالمياه الآسنة, تنساب بسرعة عجيبة نظرًا للانحدار الشديد للموقع، والحشرات تطير وتزحف، وسط رائحة ينفرّ منها كلً الأبالسة, ولا تفلح عطور العالم في محو جزء من آثارها.
تجمّع السكان حولي, يحملون أكاليل الورود.
هو يوم سيسجّل في تاريخ الحيّ فسعادة (المدير) بشخصه قد حطّ موكبه وقد حضر إليهم وهو أمر غير مألوف. فالعادة أن تزحف الوفود لمقامه في مكتبه.
أخذت جمهرة القوم يشكون ويلومون الأمانة على تقصيرها في حل الموضوع. ولَم يكن هناك شبكة مجاري في ذلك الوقت.
سألت كبير القوم عمّا يحيّرني وهو: من أين يأتي الجار المشتكى عليه بالمياه لمسكنه وقد قطعت مياه البلدية عن منزله ولا سبيل لصهريج ماء للوصول إليه؟
لأفاجأ بأن الجوار, المشتكين, هم عينهم من يزودونه بالماء بواسطة خراطيم من منازلهم لأنه يا(حرام) عنده أطفال صغار!
كدت أشقّ قميصي من غيظي, لكن عوضا عن ذلك.. قهقهت, حتى كدت أن أستلقى على قفاي وأنا (سعادة المدير).. ملقيا بهيبة المنصب إلى أسفل الدّرج.
ضحكت حتى كدت أن أتزحلق وأصل لأسفل الدرج العام وأنا مستلق على قفاي بعدد مئتي درجة.
لم أدر ماذَا أفعل.. هل أقطع الماء عن حيّ بكامله، هذا ليس حلّا فسيقوم سكان الأحياء المجاورة بتزويدهم به و.. هكذا من حيّ لحيّ.
لن أدلّكم على الطريقة التي تغلبنا بها على الشكوى برضا الجميع.. فهي ماركة مسجلة في سجلّي أنا (سعادة المدير).. شعبنا طيّب طيّب بس.. بيزيدها.