ذكرى الإسراء والمعراج، هي حدث إسلامي تاريخي عظيم، لما له من خصوصية ومعان، ولما تركه من عظات وعبر خالدة جسدتها رحلة الرسول الكريم من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، وهي رحلة كونت مرحلة مهمة وحاسمة في تاريخ الإنسانية وأعلنت ميلاد عهد جديد عنوانه تحرير النفوس من أمراض الجهالة وتسلط الطواغيت إلى نور العلم والإيمان في ظل قيم المحبة والتسامح بين كافة أفراد المجتمع كافة.
وستظل هذه الرحلة معلماً بارزاً في مسيرة الأمتين العربية والإسلامية، ما يجعلها مناسبة تهلُّ علينا كل عام نستذكر فيها الأمجاد والاشراقات التي قدمتها الرسالة المحمدية للإنسانية جمعاء من عطاء خالد ما زالت قيمه تشع نورا وهداية يقتفي المسلمون آثارها جيلاً بعد جيل، ذلك أن نهضة الأمم تقوم على دعامات أساسية في طليعتها ما تختزنه الأمة من فكر أصيل مبدع متجدد قادر على مواجهة قضايا العصر وتحدياته وارتياد آفاقه، وعلية فان الأمة الإسلامية التي تزعمها النبي محمد كانت ذات حضارة عالمية ملأت الدنيا ديناً وخلقاً وعلماً وأدباً، ما يؤهلها ونحن في رحاب هذه الذكرى، أن تستأنف رسالتها بعزيمة وثقة وإيمان، لان العالم اليوم بأمس الحاجة إلى استعادة الأمة لدورها نحو نفسها ونحو البشرية بأكملها.
وإذ يحيي الأردن ذكرى الإسراء والمعراج في كل عام، وبرعاية ملكية سامية، فان للمملكة الأردنية الهاشمية علاقة من نوع خاص مع الحدث، ذلك أن هذا الثرى الطهور الذي لامس أقدام محمد عليه الصلاة والسلام وسار على أديمه الأطهار من الصحابة أمثال عمر وخالد وأبو عبيده وشرحبيل، قد شرفه الله بوجود أسرة عربية هاشمية اختصها لحمل لواء ومسؤولية قيادة الأمة والنهوض بها ورعاية شؤونها، وها هي اليوم تنهض بها بصورة عزّ نظيرها، ونحن نرى جلالة الملك عبد الله الثاني يحمل القدس وشؤونها في حِلّه وترحاله ويؤمن بأنها العاصمة التي لا محالة عنها للدولة الفلسطينية، وهو يرى أن أي حديث عن أمن وأمان واستقرار في المنطقة لا يتعدى أن يكون حديثاً عابراً إذا ما بقيت القدس تواجه كل فجر جديد نمطاً جديداً وشكلاً آخر من محاولات اسرائيل للنيل منها أو تغيير معالمها.
ولئن انبرت قيادتنا الهاشمية للتصدي والدفاع عن كل قضية ذات شان عربي وإسلامي، فإنها كانت ولا تزال تنظر إلى قضية فلسطين على أنها أولوية أولى وان الدفاع عن القدس هو واجب مقدس وأمانة في أعناق بني هاشم ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، وهذا ما أكده ويؤكده جلالة الملك أينما ذهب وفي أي مناسبة أكانت لقاء قمة عربية، أو مناسبة تسلم جائزة، أو مباحثات مع رئيس دولة عربية أو أجنبية صديقة، لأنه يعلم أن ما هو مناط به كقائد هاشمي ليس كما هو مطلوب ممن سواه.
بين الإسراء والمعراج والدفاع عن القدس الشريف علاقة عَقَدية وراسخة، وتضاعف من المسؤوليات تجاه حماية هذه المدينة بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وبذل كل جهد ممكن لتبقى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وهي مسؤولية نهضت بها القيادة الهاشمية عبر وصايتها التاريخية على المقدسات والتي تعتبر في مقدمة أولويات جلالة الملك الذي خصّ القدس والأقصى برعاية مباشرة ودعم متواصل ترجمة للرسالة التي استودعها نسبه الهاشمي الشريف في عنقه.