الدلالة الأولى التي حملتها مشاركة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين في القمة العربية في تونس، هي الحقيقة الناصعة التي لا تقبل تأويلاً ولا تحتمل إلا تفسيراً واحداً، إذ تؤكد أن الأردن الذي شكل منطلقاً للنضال العربي على امتداد الوطن العربي الكبير، يقدم المصلحة العليا للأمة العربية على أي اعتبارات آنية أو حسابات وقتية، وذلك وفاء للرسالة القومية التي ذاد عنها بروح الإيمان بالانتماء الحقيقي لهذه الأمة والتي بقي حريصاً على حمل رايتها المقدسة وملتزماً بعهدها ومتفاعلاً مع قضاياها بصدق وعزيمة وإخلاص.
إن المواقف الصادقة لهذا البلد الهاشمي تعبر دائماً عن نفسها دون حاجة إلى وسيط، فهكذا، هي المملكة الهاشمية وهكذا هم الهاشميون قادتها منذ فجر الثورة العربية الكبرى حتى عهد الملك المعزز، مواقف ناصعة وخطوات مشرفة، وهذا النهج الثابت للأردن ليس وليد لحظة وليس رد فعل لموقف طارئ، والسياسة الأردنية كانت دائماً ولا تزال واضحةً لا تحجبها الضوضاء إزاء القضايا المصيرية للأمة العربية وفي مقدمتها القضية المركزية الأولى «القضية الفلسطينية» ودُرّتها القدس الشريف التي أعلن الأردن ثبات مواقفه تجاهها وقال أمام العالم أجمع أن لا تفريط في الحق العربي والإسلامي في فلسطين والمقدسات وظل هذا الثبات راسخاً في الفكر الهاشمي دون لبس أو تغيير.
نعم، فإن من يريد الدفاع عن القدس ويسعى لأن تكون عاصمة لفلسطين، ومن يريد الذود عن المقدسات فيها، ومن يرغب بالمساهمة الفعلية في إعمار غزة، ومن يريد مساعدة الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة على ترابه الوطني، هو من يقرن الآن القول بالعمل لتوحيد الصف والموقف العربي متجاوزاً انفعالات اللحظة وعواطف الساعة وداعياً في الوقت نفسه إلى وجوب تحكيم العقل والحس القومي الواعي في أرجاء الوطن العربي الكبير من أجل تحمل المسؤولية وحماية المصير، وهذا ما يشكل صلب وجوهر عمل وتحرك الملك عبد الله الثاني.
الحضور الأردني اللافت بقيادة جلالة الملك في قمة تونس، يجسد رسالة الأردن التاريخية، إذ أنه لا يفوت فرصة يلتقي فيها القادة العرب للتباحث والتحدث حول مجمل الأمور والأوضاع العربية، وتدارس أحوال الأمة والعمل ما أمكن على تقريب الآراء ووجهات النظر لاستدراك ما فات وتحقيق الأهداف المنشودة للأمة العربية حاضراً ومستقبلاً وعلى رأسها الحفاظ على القدس لتبقى في حياض الأمة ولا تغادر رحابها.
ولئن كان الأردن بقيادته الهاشمية قد عمل عبر تاريخه الطويل بكل ما أوتي بجهد وإخلاص من أجل تدعيم التضامن العربي وبناء جسور الثقة وتمتين أواصر التواصل ونبذ الفرقة والقطيعة والانقسام بين العرب ودفع قضية فلسطين إلى الأمام على كل صعيد، فهو الآن وبحضور جلالة الملك، يؤكد استمرارية بذل هذه الجهود، ويترجم بلا أدنى شك، أنه مع كل خطوة جادة تحقق فائدة الأمة العربية وتعمل على حل قضاياها، وإنه يعمل ما بوسعه من أجل قضيته الأولى بأمانة وشرف ووفاء لمبادئ الرسالة الهاشمية حتى يتحقق المراد وينعم الشعب الفلسطيني بالسلام العادل المشرف الذي يتفق مع الحق العربي وينبع من صميم مبادئ الهاشميين.