جلست وقلمي في يدي لأكتب أطبع.. لا فرق. في العادة, كنت أكتب في مشاكلنا في داخلنا. قلت: أكتب في معضلة مشكلة متاهة السير والمرور وعنت المواطن في يومه في حلّه وترحاله بين مكان عمله ومبيته؟! أم أكتب في تعثّر العديد من المستثمرين لسبب أو لآخر, ضيق أفق من يستلمون خطوط استثمارهم أو لأنخفاض القوّة الشرائية في البلد أو من هذا وذاك. أم أكتب فيمن يحملون وطنهم في حقائبهم و... «يفلّون» عند أوّل بادرة ضيق تحوق به. قلت أكتب بالغارمات وآلاف الصّفحات في الصّحف تعجّ بالغارمين المهدّدين في أرض أو مصنع أو بيت. ولماذا لا أكتب كغيري فيما يجري في مجلس النوّاب من سجال ونزاع ورشق للمنافض والعقال. بل لماذا لا أكتب عن فانزويللا وبلاد الماوماو؟!
لجمت قلمي عن هذا وذاك. فالخطب اليوم, الآن خطب الوطن...الوطن بما فيه: من مشاكل سير واستثمار وطوشات هنا وهناك وغارمين وغارمات, هو الوطن ككلّ في موقع الأمتحان. وطن كبير كبير على امتداد الأرض كلّها يعوم على بحور ومحيطات وخلجان الدّنى. ووطن صغير كبير في ضفّتين يرويها نهر ينبع من نبع التاريخ والجغرافيا, النهر الذي تعمّد به وسار بجانبه وباركه الأنبياء. اخترت الوطن الكبير والصغير الكبير. فأوطاني تتعرّض لكابوس لهجمة شرسة من زمرة بل زمرتان بل أكثر ممّن لا يعرفون حقا, بل ديدنهم الباطل والأذى والسلب, سلب الأرض والحقّ والثروات, يريدون كلّ هذه بلا أنسان عربيّ، هم يكرهون (الحطّة والعقال) يكرهون ألوان العلم أخضر أحمر أبيض أسود. حذفوا هذه الألوان من ذاكرتهم من الطبيعة. فصّلوا ألوان الطبيعة كما يحلوا لهم واستبدلوها بألوان ظلم ودمار وقصف ووحشيّة وتوزيع أراضي الوطن يمنة ويسرى على محتلّ العصر, زكأنّ لا أصحاب لها و...أنا صامت نحن صامتون... صمّن بكمن لا.. تتكلّمون ألّا من رحم ربّي وهو لا حول ولا قوّة له في مقارعة الظّلم وسط تشتّت الأخوان, ألّا الأيمان بالوطن.
في مثل هذه الأوضاع سأكتب بمداد أحمر من محبرة شراييني وأقول. هو الوطن الكبير أولا, والوطن الصغير الكبير ثانيا وأخيراً.
سأكتب وأقول وسأوجّه الكلام صراخاً عالياً ألينا، نعم ألينا نحن بني يعرب: ضعوا الخصام جانباً. أفيقوا. اتّحدوا في وجه غزاة العصر. أن لم تستفيقوا تتّحدوا تأخذوا حذركم يد واحدة فلن تجدوا جبلاً ولا حقلاً ولا بيدر ولا ناقة ولا بعير ولا نفط ولا زيت زيتون. لن تتيهوا في الصّحارى فالصّحارى لن تعد لكم ولا النهر ولا البحر ولا جدول صغير. لن تجدوا ما يسدّ رمقكم, لن تجدوا سقفا يحمي رؤوس أطفالكم ولا أمّهاتهم. لن تجدوا لاحطّة تغطي رؤوسكم ولا حتّى عقال تضربون به بعضكم البعض.
هو الوطن يحيا الوطن. يحيا من يقف بجانب الأوطان لا أمامها يحيا من يقف برجولة بصلابة في وجه الهيمنة والتّكبّر ويقول...لا. يحيا الوطن. بغير الوطن لن تكون لن تكونوا لن...نكون.