فراس حج محمد
يثير كتاب «جرائم لا يعاقب عليها القانون» للكاتبة الأردنية شادية عمر كمال، العديد من الأسئلة ويطرح الكثير من المسائل. كتاب يوظف هذا الكم من حيوات الناس وأقدارهم لصناعة القصة، كتاب جدير بالوقوف عنده وتأمل مادته السردية، سواء على صعيد الشكل أو على صعيد المضمون.
فقد جاء الكتاب (دار فضاءات للنشر، عمّان) في 400 صفحة من القطع الكبير، ابتدأته المؤلفة بإهداء ومقدمة قصيرة، ثم أخذت تسرد قصصها العشر، وقد جاءت القصص الثماني الأولى ذات مناخ واحد، وعلاقات واحدة بين الشخصيات، لتكون القصتان الأخيرتان مختلفتين، ليس في الموضوع، وإنما في الشخصيات، فشخصيات هاتين القصتين لا تربطها أي علاقة مع الشخصيات التي شكلت القصص الأخرى إلا رباط السارد نفسه.
الشبهة الروائية
جاءت هذه القصص كلاسيكية في سرديتها وموضوعها، ولم تلتزم الكاتبة بمنطق القصة القصيرة، وخاصة في ما يتصل بعنصر الزمن، وحجم القصة، إذ إن هذين العنصرين من أهم العناصر التي تجعل السرد قصة قصيرة، فقد كان الزمن في هذه القصص ممتدا إلى سنوات متعددة، وطال السرد لتشكل كل قصة ما يشبه «النوفيلا» أو الرواية القصيرة، مع أن الكاتبة في مقدمتها تنص على أنها تريد أن تكتب قصصا قصيرة، لا روايات قصيرة.
تشترك القصص في ما بينها برابطين اثنين يؤهلانها لأن تكون رواية، فالشخصيات المتحركة في فضاء السرد هي نفسها في القصص الثماني الأولى، وإن كانت الكاتبة تركز في كل قصة على محور حياة شخصية من هؤلاء النساء العشرة، وهذا البناء الفني وإن لم تكن الكاتبة تعيه بشكل واضح، إلا أنه شكّل الإطار العام لهذه القصص.
وقد قيل عن بعض الأعمال القصصية ما ينطبق على قصص هذا الكتاب، وخاصة المجموعة القصصية لإيميل حبيبي «سداسية الأيام الستة»، إذ عدها بعض النقاد رواية، وليست مجرد مجموعة قصصية متناثرة القصص. أما من الأدب العالمي فسأشير إلى ما يشبه عمل الكاتبة في ما أصدره الكاتب والفيلسوف الفرنسي جورج باتاي من مجموعته القصصية «حكاية العين»، فهي مجموعة قصص، ولكن الشخصيات هي عينها التي تتحرك في الفضاء السردي. ومن زاوية أخرى، ولاتصال هذا الكتاب بالشبهة الروائية، أشير إلى رواية «عشر نساء» للكاتبة التشيلية مارثيلا سيرانو، إذ تتحدث هذه الرواية عن حيوات متعددة لمجموعة نساء، ومع أنه يمكن أن تقرأ هذه القصص بوصفها قصصا مستقلة إلا أنها تشكل معا لوحة روائية ذات هدف محدد. وهذا ما كان في كتاب «جرائم لا يعاقب عليها القانون».
وعدا هذه الأعمال المشار إليها سابقا، فإن موضوع هذا الكتاب واتصاله بحياة النساء، يدفع لاستحضار أعمال أخرى من الذاكرة، وخاصة رواية «نساء» لتشارلز بوكوفسكي، ورواية «الجنس والمدينة» للكاتبة الأميركية كانديس بوشنيل، وفي هذه الرواية بالتحديد، ثمة عوالم متشابهة وخاصة في ما يتعلق بالنساء موضوع القصص عند شادية كمال وعند بوشنيل، فالنساء عاملات عزباوات، يبحثن عن الاستقرار والنجاح في العمل، ولكنهن أيضا يرتبطن بعلاقات حب وما يتبع ذلك من تصرفات. أما رواية بوكوفسكي فإن هذا الكتاب يشترك معها في تلك الجرائم التي «لا يعاقب عليها القانون» عندنا، وتلك الممارسات التي يجدها القارئ في رواية بوكوفسكي، وفي تلك النهاية التي تحددت في مسار حياة الشخصية الرئيسية، هنري شناسكي، وابتعاده عن كل النساء ليرتبط بامرأة واحدة.
القصص وعلاقتها بالواقع
يبدو من المناسب التذكير بما جاء في خاتمة رواية «عشر نساء» لمارثيلا سيرانو، عندما تحدثت إحدى النساء قائلة: «جميعنا في نهاية المطاف، بطريقة أو بأخرى، لدينا القصة نفسها، التي يمكن أن نرويها». فهذا الاشتراك لهذه الجرائم مع الأعمال سالفة الذكر، لا يقلل من أهمية الكتاب ومادته الزاخرة، وعوالمه الخاصة. ومع اشتراك بعض الناس في بعض التفاصيل في الحياة إلا أنه لا بد من أن يكون هناك الخصوصية لكل كاتب في ما يكتبه، وفي ما يوظفه من خبرة شخصية. وعلى الرغم من أنه لا رواية من كلاسيكيات الرواية العربية تخلو من موضوع هذا الكتاب، لاسيما روايات إحسان عبد القدوس وبعض روايات نجيب محفوظ، وما شاع من أعمال درامية في الستينات والسبعينات، إلا أن للكتاب ميزة خاصة على مستوى الموضوع، إذ يرصد تجارب ثمان من النساء عملن مضيفات طيران، ما يعني أنه يعطي للقارئ فرصة التعرف على هذا العالم، هذا العالم الذي تصفه الكاتبة بقولها: «جو الطيران وعالمه يعطي للعواطف والعلاقات إحساسا مميزا طريقه معبّد، ودنياه فيها الكثير من الإثارة والغموض» (ص25).
لذلك، فإن هذا العالم شكّل مناخا طبيعيا لولادة تلك القصص الرومانسية، على اعتبار أن «الحب هو المرض المتفشي في عالم الطيران» (ص28). عدا أن الكتاب يصلح أن يكون وثيقة اجتماعية على الفترة التي تشكلت فيها الحكايات، وتمتد لأكثر من ثلاثين عاما، مع أن القارئ لم يلاحظ التغير في بنية المجتمع الفكرية بين أول قصة وآخر قصة، ولعل هذا مؤشر سلبي على جمود المجتمع وعدم استجابته للتغيرات التي يجب أن تنقله من حال إلى حال. وفي ظني أن هذا ليس قصورا من الكاتبة التي التزمت طريقة السرد المحايد والتسجيلي والواقعي، فهذا الالتزام حقق بالضرورة صدقا واقعيا على ما تدل عليه الأحداث عند دراستها وتفكيك بنيتها الثقافية والفكرية.
وعلى ذلك، يمكن أن يعد الدارس هذا الكتاب مجموعة من القصص التسجيلية التي حدثت في الثلث الأخير من القرن العشرين كما جاء في المقدمة، وإن نفت الكاتبة أن يكون لهذه القصص «أي وجود حقيقي، في يوم من الأيام» (ص7).
هذا النفي هو للفت انتباه للقارئ ليفكر على عكس ما يريد الكاتب ظاهريا؛ إذ لولا تلك الشبهة الواقعية لما دار في خلد الكاتب أن يسجل مثل هذه الملاحظة. على أن هذا يجب ألا يحوّل الناقد إلى مفتش أو محقق، وإنما لا بد له أن يبين أمورا تتصل بالفن القصصي عموما الذي أضحى مرتبطا بشخص الكاتب وتجاربه الشخصية، ولا بد من حضور تجاربه في ما يكتب. هذا ما يقرره الكتاب جميعا، وهذا ما يلمسه القارئ في أعمالهم.
موقع الكاتبة في السرد
تأخذني الملاحظة السابقة إلى البحث عن موقع السارد في القصص العشر، وهل يمكن عدّ السارد هو الكاتبة نفسها؟
لن أكون مغامرا في هذا الربط إلا لأن هذه القصص قصص حقيقية وليست واقعية فقط، وعلى الرغم من أن الكاتبة لم تظهر شخصية السارد، وظل قابعا وراء اللغة ونقل المشاهد والأحداث، إلا أن ما يلفت النظر وجود شخصية «شادية» في هذه القصص، وأنها كانت واحدة من أولئك النسوة بطلات القصص.
وتتضح مهمة شادية في هذه القصة وفي بقية القصص، في أنها لم تكن طرفا في هذا الماضي، «بل كانت شاهدة عليه» (ص125). إنها وظيفة مقررة من وظائف السارد أن يكون شاهدا على الأحداث. ولم يقف حدود الساردة عند حدود الشهادة، بل «إن بيدها المفتاح لكل الألغاز» (ص129)، وطبيعي جدا في هذه الحالة أن تكون شادية بوصفها ساردا «بتعرف الكل» (ص131)، وعلى ذلك فشادية الكاتبة والساردة لم تكن شخصية ثانوية في هذه القصص وإنما هي المتحكم بخيوط اللعبة السردية وبتوجيهها الوجهة التي أرادتها لها، وخاصة إذا ما ارتبط هذا التحليل بما جاء في المقدمة: «وحيث إنني في هذا العمر أمتلك زخما من التجارب والقصص الواقعية، قررت أن أحمل قلمي وأكتب» (ص7). إن الكاتبة لا تكتب قصصا خيالية حتى نسلم بملاحظة الروائي ماريو فارغاس يوسا التي يحذرنا فيها من الاتحاد بين الكاتب والسارد.
لقد بقيت هذه الإحالة إلى العالم الواقعي متحكمة في الكاتبة بشكل كبير جدا، بحيث لم تستطع التخلص من سيطرتها عليها، فقد اضطرتها الحقيقة الواقعية إلى أن تحذف أسماء كثير من الأماكن لتعوض بدلا عن ذلك بوضع فراغات، وتجنبت ذكر البلد الذي عملت فيه أو اسم الشركتين اللتين عملت فيهما سواء مضيقةً جوية أو أمينةَ سر لإحدى الشركات الكبرى المساهمة، واكتفت غالبا بذكر الاسم الأول لشخصياتها. إضافة إلى أنها ذكرت أحداثا كبرى حصلت بالمزامنة مع أحداث قصصها، كحرب أكتوبر 1973، وبدايات الحرب الأهلية في لبنان 1975، ومقتل الزعيم اللبناني بيير الجميل، وكذلك حرب الخليج الأولى وأحداث عام 1990.
وبخصوص أساليب السرد، اعتمدت الكاتبة على السارد العليم في رواية الأحداث، وقد تخلل بعض القصص الحوار الخارجي الذي يدور بين الشخصيات، ووظفت في واحدة من القصص أسلوب الرسائل، واعتمدت في القصة الأخيرة على تضمين القصة مذكرات الشخصية الرئيسية، ما يعني من وجهة نظر نقدية محاولة الكاتبة البعد عن الكلاسيكية في سرد الأحداث.
معضلة الأفكار السائدة
لا شك في أن كتابا كهذا سيطرح في ثنايا قصصه مسائل تتصل بالمجتمع وأفكاره السائدة، بدءا من وضع المرأة العربية وصورتها في تلك الفترة، وصورة الرجل، وما تحيل العلاقة بينهما من مسائل أخرى تتصل بالمعاشرة، والزواج التقليدي، وحرية المرأة، والنظر إلى موضوع العفة والعذرية، والزواج المختلف دينيا، والعلاقات الشرعية والمحرمة، والزواج السري والزواج العرفي، وافتقاد الحرية في الوطن، وممارستها في البلاد الأجنبية.
لقد ظهرت المرأة في القصص العشر، في عمر الشباب الغض، متعلمة، جميلة، بل فائقة الجمال، لكنها لم تكن امرأة مثقفة أو مهتمة بالشأن الثقافي، امرأة لا تعرف الكتب، ولا الفعاليات الثقافية ولا السينمائية، امرأة تحب العمل وتريد أن تحقق ذاتها فيه، وترغب في الحب والزواج، هي امرأة خاضعة نوعا ما للأفكار السائدة، وفي الأعم الأغلب، ستكون ضعيفة في المواجهة العلنية، فلا تمتلك الروح الثورية، بل كانت مسالمة، سواء مع الأهل أو مع الزوج أو مع الحبيب، هذه هي المرأة التي كنا نراها في أفلام الستينات والسبعينات وحتى أوائل التسعينات، ونقرأ عنها في الروايات، مع أن هذه الصورة اختلفت كثيرا اليوم في الرواية العربية، فهناك السياسية والكاتبة والمثقفة والقائدة الجماهيرية والمناضلة.
ومن الطبيعي إذن والنساء تتحرك في ظل هذه الأجواء، أن نجد الصورة العامة، النمطية، التي يحملها الرجال عن المرأة، وتتلخص في أن تكون جميلة، وصغيرة في السن، وقادرة على الإنجاب، وعديمة التجارب مع الرجال، إذ إن تجارب المرأة وعلاقات الحب السابقة تجعلها امرأة غير مؤهلة لتكون «زوجة صالحة»، كما يتصور هؤلاء الرجال، وهذا ما جاء في قصة «شاهندة» مثلا التي عاشت مع «نبيل» قصة حب أعطته فيها على مدار سبع سنوات كل ما تعطيه المرأة للرجل، وعندما تركها جعلها تعيش هذه الأزمة الاجتماعية، ولذلك رفضها «محمود» الذي كان قبل معرفته بذلك يرغب في الزواج منها رغبة شديدة، ولكن شرقيته منعته أن يرتبط بها. فقد كانت الحقيقة صادمة له ولم يستوعبها، وفي هذا صدق واقعي يتماهى وواقع الرجل الشرقي الذي يربط عفة المرأة وصلاحيتها لتكوين أسرة بالمحافظة على العذرية. ومع ذلك فقد وجد من الرجال من شذ عن هذه القاعدة الاجتماعية، وقبل بالارتباط بـ «شاهندة».
وبموازاة هذه الصورة، تبرز صورة الرجل الذي تتيح له شرقيته وكونه رجلا أن يفعل ما يشاء، وأن يمارس حريته كما يحلو له، فتكون له تجارب وعلاقات متعددة، والمجتمع لا يعد كل هذه الموبقات الذكورية «جرائم يعاقب عليها القانون»، لذلك لم يعانِ الرجال مما عانته النساء في مثل هذه المسألة، وإن بدا بعض الرجال مغلوبين على أمرهم أيضا في نواح أخرى وفي مجتمعات معينة، فثمة حواجز لا يستطيع أحد تخطيها، وذلك في أمور تعدد الزوجات، والزواج المختلط دينيا، والوقوع تحت طائلة التسلط العائلي، فثمة أعراف لا أحد يخرج عنها، ولذلك فمأساة الرجال في قصص هذه الكتاب نابعة من مشاكل مختلفة، وإن التقت عند نقطة واحدة، وما يلاحظ عليه في حيوات أغلب هؤلاء الرجال أن معظم زيجاتهم كانت ضمن نطاق الزواج التقليدي، فقد كانوا إذن متعطشين للحب وأن يعيشوا تلك الحالات المجنونة، فإذا ما التقت هذه الرغبة مع وجود نساء فائقات الجمال، فمن الطبيعي أن نقرأ مثل هذه القصص الملتهبة في مشاهدها وعواطف أبطالها رجالا ونساء.
لقد تشكلت هذه القصص في ظل مناخ لا يتيح للمرأة إقامة علاقات غير شرعية خارج نطاق مؤسسة الزواج، لكنهن استطعن الإفلات من هذه المعضلة الاجتماعية، وإن ظلت هذه المواجهة سرية، وكأنهن ينتقمن من المجتمع على طريقتهن الخاصة، أو أنهن أردن الحصول على حريتهن أيضا ضمن ما هو متاح لهن، بعيدا عن الرقابة المباشرة وما فيها من صرامة.
لغة بسيطة
جاءت اللغة في الكتاب لغة بسيطة، سردية، لا تجنح نحو الخيال، أو المبالغة أو التصوير، ولا تعتمد على المقولات الفلسفية، واضحة في رسالتها التي تسعى إلى تحقيقها، وهو توثيق تلك الحكايات في إطار السرد القصصي، وقد عبّرت اللغة عن المضمون، خاصة أن الكاتبة لم تلتزم بمستوى واحد من اللغة، بل كانت اللغة موافقة في الأعم الأغلب لحالة الشخصيات، فظهرت اللهجات العربية: المصرية والخليجية واللبنانية، بالإضافة إلى الفلسطينية والأردنية.
وما يلاحَظ على لغة الحوار أحيانا أن الكاتبة تمزج بين لهجة المتحدث واللغة الفصيحة، وخاصة في الحوارات التي تسترسل فيها الشخصية في الحديث، ما يعد مثلبا ينال من واقعية المشهد وتأثيره في القارئ، إذ يجعل القارئ ينتقل لسانه وفكره ووجدانه بين لغتين، مختلفتي الإيقاع، فيؤدي ذلك إلى إخراج القارئ من حالة الاندماج التي كان عليها، ويؤثر سلبيا في عمليات التلقي والتأثير والتعاطف مع المشهد.
إن هذا الالتزام ببساطة السرد، أبقى القصص مجرد حكايات منقولة على الورق، وتشبه إلى حد كبير الحكايات الشعبية، وقصص النساء اللواتي يتسلين بها أوقاتَ الفراغ، ومن هنا جاءت كثير من القصص مكررة العبارات والألفاظ والمشاهد، وربما خلق هذا إحساسا من الملل في كتاب تجاوزت صفحاته أربعمائة صفحة، بعشر حكايات رومانسية، مع أن الكاتب أحيانا كانت قادرة على التأثير في مشاعر القارئ.
عندما يصبح الكاتب شاهدَ عصر
11:45 29-3-2019
آخر تعديل :
الجمعة