قبل واحد وخمسين عاما كنت أعمل في الكلية الحربية في الرياض مدرساً للغة الإنجليزية للصفوف الثانوية حين وقعت معركة الكرامة. انطلقت في الصباح الباكر كالعادة الى العمل بالسرفيس، وحين وصلت مع زملائي اذ بآمر الكلية، وكان من اسرة آل الشيخ، يوعز بإيقاف الدراسة لذلك اليوم. السبب: معركة الكرامة. كانت الأعصاب مشدودة.
عدت الى الشقة التي كنت أسكنها مع الزميل سليمان مرجي الذي كان يدرس الكيمياء وشاب بريطاني ثالث اسمه جون. أدرت المذياع على اذاعة الرياض ففوجئت انه ارتبط مع اذاعة عمان في بث حي ومباشر. وهكذا وجدت نفسي اتابع المعركة وتفاصيلها كأنني في الأردن ومع الأهل. ومرت الساعات وأنا مسمر أمام المذياع تنساب دموع الفرح مع كل بيان يعلن عن سقوط طائرة للعدو او تدمير دبابة، او طلب الأعداء وقف النار.
كان من حنكة المغفور له الحسين بن طلال القائد الأعلى للقوات المسلحة انه رفض وقف إطلاق النار ما دام هناك جندي اسرائيلي على أرض المعركة، وفهمت لاحقا ان قرار الملك كان من معرفة جلالته بأنه لو وافق على وقف النار فسيتمسك العدو بموقعه ويفاوض ويماطل ويطلب ثمنا غاليا للانسحاب. ان رفض جلالته لإيقاف المعركة رغم الضغوط الأمريكية دفع بالعدو للهرولة منسحبا تحت قصف كثيف من أسود الجيش العربي البواسل.
كان كل جندي أردني في تلك المعركة يعرف انه يدافع عن كرامة العرب، هذه الكرامة التي مرغت بالتراب في حرب عام 1967 والتي خسرنا فيها الضفة الغربية ومدينة القدس.
لو تمعنا بدرس بطولة جيشنا العربي الأردني لوجدناها امتدادا لمعارك الشرف والتضحية التي سجلها والدنا المؤرخ سليمان الموسى في كتابه (أيام لا تنسى: الأردن في حرب عام 1948)، والتي يطيب لي ان أطلق دائما عليها «ملحمة البطولة الأردنية».
واستذكر اني كنت أبان معركة عام 1967 أعمل في الكلية الحربية بالرياض أيضا، وبلغ الألم في قلبي مداه حين بدت تلوح هزيمتنا في أرض المعركة، فذهبت الى آمر الكلية، وطلبت منه ان يدربنا ويعطينا السلاح ويرسلنا الى الجبهة لنقاتل فيها. لكنه كان متماسكا فهدأ من روعي، وبعد فترة أرسلت السعودية لواء للأردن كان بقيادة ذلك العسكري الشهم حسبما أظن. أما نحن العاملون في الرياض، وبسبب توقف الطيران بين البلدين، فقد عدنا برا بشاحنة ونمنا ليلة في الصحراء على الرمال. كان المهم ان نصل أرض الوطن بأسرع ما يمكن.
بعد معركة الكرامة حاول بعض العرب التقليل من إنجاز الجيش العربي لأغراض دعائية، لكني أستذكر هنا ما قاله الأستاذ عدنان ابو عودة في كتابه (يوميات عدنان أبو عودة: 1970-1988) من ان «المعركة كانت معركة جيش» (ص 29). وصدف ان رافقت بعد عودتي من السعودية وعملي في مؤسسة رعاية الشباب وفدا ضيفا من أمريكا الجنوبية نهاية عام 1968 الى بلدة الكرامة، فكانت مهدمة بالمطلق.
وعوداً الى ما بدأت به مقالي اعلاه عن موقف السعودية في تلك الحرب، واتحاد إذاعتهم مع اذاعتنا الأردنية، فان هذا دليل بين على قومية المعركة في نظرهم. وقياسا على هذا الموقف، فاني أظن ان أنظار كل العرب كانت موجهة الى ساحة المعركة، تضغط قلوبهم مع الجنود الأشاوس على زناد البنادق، وترتفع دعواتهم الى السماء لنصرة جنودنا المحبين لوطنهم، تمتلئ عيونهم بدموع الفرح مع كل خبر يحمل إعطاب دبابة للعدو او اسقاط طائرة له.. حتى اندحاره عائدا مكسورا ذليلا من حيث أتى يجرجر أذيال الخيبة والهزيمة.
كانت معركة الكرامة يوما اردنيا بامتياز، أعاد الكرامة للعرب، ومهد الطريق لحرب عام 1973، فتحية لرجال الجيش العربي، ورحمة الله على شهدائنا الأبرار الذين خًضب الثرى المبارك بدمائهم الزكية.
يوم الكرامة في السعودية
11:00 28-3-2019
آخر تعديل :
الخميس