محمد
تماماً مثل «داعش» الذي يُروّج كثيراً الآن بأنه هُزِم, وان دولة الخلافة خاصته قد تبدّدت ولم تعد ثمة مساحة جغرافية في شرق سوريا كما غرب العراق وشماله تحت سيطرته. وكما لم يتوقّف آباء النصر المزعوم عن ضخ المزيد من الأكاذيب عن نجاح الحرب على الارهاب وعن استعدادهم للذهاب بعيدا في محاربته ودحره, وانهم له بالمرصاد اذا ما حاول إعادة بناء منظومتيه العسكرية و الاعلامية, وأن خلاياه النائمة لن تنجح في بث الحياة في أوصاله المُقطّعة أشلاء.
هما... ترمب ونتنياهو مثل داعش يتمددان ونظمان خلايا بعضها نائم ومعظمها علَنِي, كعصابة صفقة القرن اليهودية وتلك الأفنجيلية المُتصهّينة الذين احتفلوا يوم «فجر أمس» بتوقيع تاجر العقارات على قرار اعتراف بلاده بالجولان السوري المحتل جزءا من دولة الاحتلال. ليس فقط كأمر واقع جسّدته سنوات الاحتلال التي زادت على نصف قرن, بل ودائما لأن الاعتراف الاميركي هذا إنما «يُساعِد في الاستقرار الإقليمي» كما غرّد ترمب في هذياناتِه المثيرة للغضب.
لم يأبه ترمب كثيراً بالتحذيرات وما طيّرته سفاراته في الشرق الاوسط من تقارير تتحدّث عن غضب هذه العاصمة العربية وأسف تلك، بل كان في ابهى تجليّات زهوه وهو يرفع كتاب الاعتراف امام كاميرات وسائل الاعلام الاميركية, مؤشرا على توقيعه الشخصي المثير للسخرية وخصوصاً وهو يمهر توقيعا كهذا, غداة إعلان المحقق مولر ان ترمب لم يتورّط في علاقات مريبة مع اي جهة روسية خلال حملته الرئاسية, ما رفع من شعبية في استطلاعات الرأي وزاد من فرصة بقائه في البيت الابيض, وربما يستعد لفتح معركة جديدة تبدو ملائمة لهجماته التي لا تتوقف على اكثر من جبهة وفي اكثر من اتجاه, وإن كانت معاركه الرئيسية تكاد تنحصر في الشرق الاوسط الى جانب اسرائيل ودائما ضد الشعب الفلسطيني ومعظم العرب والمسلمين. الذين لم يحظ ضحاياهم في مذبحة المسجدين بنيوزيلندا بأي إدانة او شجب منه... فقط لأنهم مسلمون.
نتنياهو هو الآخر الذي ما يزال يسجل نقاطا لصالحه في مواجهة خصومه وبخاصة حزب الجنرالات, رغم انكشاف ملف جديد بات يُعرَف بملف الغواصات, وتضارب مصالحه الخاصة مع صفقة غواصات مُتطورة ألمانية بيعت لمصر وافق عليها نتنياهو, دون إعلام وزير دفاعه (يعلون) ورئيس أركانه (اشكنازي), وهما الآن في المعسكر المناوئ له وضمن تحالف ازرق - ابيض الذي ينازِعه الزعامة، لم يجد سببا يدعوه لاختصار زيارته الدعائية الانتخابية لواشنطن لحضور مؤتمر ايباك السنوي, حيث شهد حفل توقيع ترمب اعترافه بالجولان جزءا من اسرائيل كون وساطة عربية افضت الى اتفاق وقف اطلاق نار في قطاع غزة. وبالتالي لم يساوره القلق لحظة واحدة ان امن اسرائيل يمكن ان يتعرّض للخطر, اذا ما بقي في أروقة منظمة ايباك, بما هي اللوبي اليهودي الصهيوني الأكثر تأثيرا في اميركا, وأوسعهم نفوذا وقدرة على تحقيق وتعميق الدعم النوعي الأميركي لدولة الاحتلال, وخصوصاً حكومات اليمين الفاشية التي قادها نتنياهو طوال عشر سنوات مُتصِلة.
فرص نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة بعد انتخابات التاسع من نيسان القريب تبدو قوية اكثر من اي وقت مضى, كذلك حال ترمب في تجاوز منافسيه داخل الحزب الجمهوري, بعد ان وفّر تقرير المحقق مولر لِأشرعته رياحا جديدة, ما أسهم في تعزيز قاعدته الإنتخابية وزاد قراره الاعتراف بالجولان جزءا من اسرائيل «إعجاب» ودعم جمهور الأفنجيليين المُتصهيين الذين هم خزّانه الإنتخابي الثابت.
في اجواء عربية رثّة وبائسة تدعو للرثاء والغضب, بعد ان استمرأ عرب وارسو كل هذا الهوان, وأمعنوا في استخذائهم وانحنائهم الذليل امام الأعداء وداعميهم, يصعب طرح المزيد من التساؤلات عن سر هذا الاهتراء حدود الموات الذي هو عليه عرب اليوم؟ وعن المدى الذي يُزمِع هؤلاء تجاوزه, واخذ شعوبنا الى وِهاده وهُوّاته؟بل متى يُمكن ان ينطلق صوت عربي مُجلجل يقول لجماهير الأُمّة: جاوز الظالمون المدى.. فحق الجهاد وحق الفِدا؟.