لا يخفى على كل راشد وذي عقل راجح، حجم الدعم والاهتمام الذي أولاه جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين للقضية الفلسطينية عامة وللقدس » دُرّة عينه ونبض قلبه » والمقدسات خاصة، وليس غريباً على جلالته أن يفتتح حديثه مع أبناء شعبه في لقاء الزرقاء بالتأكيد على ما للقدس من مكانة دينية وتاريخية في عقله وضميره ووجدانه وفي حلّه وترحاله، فصحيح أنه ذاهب للزرقاء للتباحث حول شأننا الوطني الأردني والاستماع إلى المواطنين هناك عما يدور بداخل كل منهم وبما يفضي لحل قضايانا ومشاكلنا الداخلية، لكنه آثر استفتاح الحديث واستحواذ مساحة واسعة منه عن القدس ليقول أن شأن القدس عندما يلحق بها الضرر أو يحدق بها الخطر يصبح كباقي شؤوننا لأن القدس منا كهاشميين ولها في أعناقنا حق الدفاع المستميت عنها والواجب الشرعي والتاريخي الذي لا نحيد عنه مهما بلغ الثمن، وتلكم ذروة سنام الحكمة في نطقه السامي حفظه الله.
ويتضح اهتمام جلالة الملك بالقدس وهويتها في صور مختلفة يمكن إيجازها في شقين اثنين، أولهما استغلال المناسبات الإسلامية والدولية لتأكيد الهوية الإسلامية العربية لهذه المدينة المقدسة، وثانيهما ابتكار الأسباب العملية أو الممارسة التطبيقية التي تؤكد حق الأمة العربية بل الإسلامية قيادات وشعوبا في خدمة هذه المدينة وقضيتها، وقد حمل جلالته القدس في ضميره وقلبه وبقيت وما زالت هاجسا يؤرقه وما انفك يدعو القيادات العالمية والإسلامية لحشد التأييد ومقاومة أية محاولات أو ممارسات أو إجراءات تعسفية يُراد بها تغيير معالم هذه المدينة.
وبالرغم من قسوة الهجمات والممارسات الإسرائيلية الممنهجة الهادفة إلى تهويد القدس ومقدساتها إلا أن الموقف الهاشمي بقيادة جلالة الملك والمتمثل بجهود جلالته في تأكيد الوصاية الهاشمية والرعاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في هذه المدينة، قد أحاط هذه المقدسات بسور وحصن منيع حماها من الضياع والطمس والزوال، فجلالته هو الأكثر وعياً وعلماً بتشعبات القضية الفلسطينية وهو يدرك أن متطلبات السلام الحقيقي الجاد يتطلب صناعة وحرفية ودبلوماسية عالية قوامها الرعاية الدولية والعزيمة نحو ضرورة إيجاد الحل الذي يرضي جميع الأطراف، ويقول جلالته في القمة الاستثنائية لمنظمة التعاون الإسلامي في اسطنبول بتاريخ 18-5-2018» القدس قبلتنا الأولى. القدس توأم عمّان. القدس مفتاح السلام والوئام. والسلام سبيله الوحيد هو إنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق حل الدولتين».
ولا يغيب عن ذاكرتنا الموقف المشرّف لجلالة الملك بالتصدي الحازم لقرار الرئيس الأمريكي ترامب في كانون الأول من العام 2017 بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، رغم إن جلالة الملك كان قد حذر من مغبة وخطورة هذا القرار قبل اتخاذه بعدة أشهر والذي اعتبره جلالته أنه يمثل تصعيداً عدوانياً خطيراً، واستهانةً بمشاعر المسلمين الذين يعدّونها ثالث أقدس مدينة لديهم باعتبارها رمز المحبة ومفتاح السلام والاستقرار، كما أنه قام بجهد دبلوماسي مكثّف لحشد التأييد الدولي للوقوف ضد ذلك القرار، وطالب المجتمع الدولي بالقيام بمسؤولياته تجاه قرار الإدارة الأمريكية وحملها على التراجع عنه، ففي واشنطن وخلال لقاءاته في الكونغرس الأمريكي لمرات عديدة، مع رئيس مجلس النواب ورؤساء وأعضاء عدد من اللجان في مجلسي الشيوخ والنواب أكد جلالته أهمية منح عملية السلام فرصة للنجاح، مشدداً على أن نقل السفارة لابد أن يأتي ضمن إطار حل شمولي يحقق إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، والتي تعيش بأمن وسلام إلى جانب إسرائيل.
إن الدور الكبير الذي يبذله جلالة الملك في الدفاع عن القدس هو ترجمة لمسألة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين والقدس التي تعتبر من الأولويات والحقائق التي لا ينكرها إلا جاحد أو حاقد، وقد تقدمت الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية على رأس أجندة جلالة الملك المعزّز عبد الله الثاني الذي قال في احد خطاباته» إن الحفاظ على المقدسات وإعمارها هي أمانة في عنقي وسأستمر في دعمها على خطى الآباء والأجداد».وهو الأمر الذي ترجمه حفظه الله على ارض الواقع بصورة عملية ولعل المتتبع لما قدمه ويقدمه جلالته في هذا المضمار يدرك حقيقة ذلك القول، حيث أمر جلالته بتزويد المساجد الفلسطينية بعشرة آلاف نسخة من المصحف الشريف، كما تبرع جلالة الملك بمبالغ زادت على المليوني دينار لصندوق اعمار المسجد الأقصى، أضف الى ذلك الأمر السامي براتب إضافي لموظفي أوقاف القدس ولجنة الاعمار وذلك في العام 2007.
وعلى نفقة جلالته الخاصة استطاع الأردن إعادة بناء وتصنيع منبر صلاح الدين الأيوبي على صورته الحقيقية المتميزة بالحسن والدقة والإتقان وذلك بعد 37 عاما من الحريق الذي أصاب المسجد الأقصى، واشتملت رعاية جلالة الملك للمسجد الأقصى على ترميم الأعمال الفنية في مختلف مرافق قبة الصخرة المشرفة، ومنها إعادة الرخام الداخلي لجدران القبة، وصيانة شاملة للمسجد الأقصى شملت تجديد فرش قبة الصخرة وتنفيذ مشاريع الإنارة والصوتيات وتحسين الخدمات في المسجد، وكذلك إنشاء كرسي جلالة الملك عبد الله الثاني لدراسة فكر الإمام الغزالي في المسجد الأقصى وجامعة القدس. كما شملت الرعاية الهاشمية لجلالة الملك المقدسات المسيحية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الوصاية والرعاية الهاشمية للقدس والمقدسات، حيث قام جلالته في الرابع من نيسان 2016 وبمكرمة ملكية سامية بالتبرع وعلى نفقته الخاصة لترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة في القدس.
ويضاف إلى ذلك كلّه أن هنالك العديد من الهيئات والصناديق المعنية بعمارة وصيانة المسجد الأقصى التي استمر عملها بعهد جلالة الملك عبد الله الثاني ومنها: لجنة اعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة، والصندوق الهاشمي لاعمار المسجد الأقصى المبارك ليكون ذراعاً مالياً لدعم مشاريع الاعمار الهاشمي وموظفي أوقاف القدس وصمود المقدسيين، واللجنة الملكية لشؤون القدس.
خلاصة الحديث أن العلاقة بين الملك عبد الله الثاني والقدس علاقة الروح بالجسد الذي لا يمكن لأحدهما أن ينفصل عن الآخر أو يعيش بمعزل عنه، ونختم بقول جلالته في كلمته في أعمال في القمة العربية الإسلامية الأمريكية التي عُقدت في الرياض في 21 أيار 2017»...وبالنسبة لي شخصياً ولكل الأردنيين، فإن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس مسؤولية تاريخية راسخة ولا حياد عنها، ونتشرف بحملها نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية».