يقول جلالة الملك عبد الله الثاني في خطابه في البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في العاشر من آذار من العام 2015 «إن حياة الناس تزدهر حيث يزدهر الاحترام المتبادل، وتقوم الحضارة الإنسانية على هذا المبدأ، والمستقبل الأفضل يتحقق به، إلا أن علينا أن نتذكر أن التعايش القائم على الاحترام المتبادل يُصنع بأيدي البشر، ويجب ترسيخه من جديد مع كل جيل. ولا وسيلة لحماية المجتمعات، إلا باليقظة والعمل الجاد. وهذا يتطلب ما هو أكثر من مجرد تدابير أمنية، إذ أن على الإنسانية أن تسلّح نفسها بالأفكار والمبادئ، وبالعدل، وإشراك الجميع اقتصاديا واجتماعياً».
التفجيرات الإرهابية التي وقعت مؤخراً في مسجدين في نيوزلندا أعادت الحديث عن الإرهاب إلى واجهة الحدث الذي استحوذ مساحات شاسعة عبر مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية على امتداد دول العالم الذي ينبذ ويدين مثل هذه الأفعال المشينة التي لا تتفق ومواثيق ولا أعراف ولا قيم دينية أو إنسانية بل وترفضها وتلفظها تعاليم وأحكام الأديان والعقل والمنطق التي لا تبرر قتل النفس البشرية التي كرّمها الله تحت أي ظرف كان.
الأردن بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني كان وما زال في مقدمة الدول التي بذلت جهوداً دبلوماسية وسياسية وإنسانية مكثفة في سبيل تمكين وتعزيز ثقافة الحوار والاغتناء بقيم ومفاهيم الآخر ومد جسور التعايش والتفاهم المشترك بين أتباع مختلف الأديان، وقد أسهمت تحركات جلالته عن نتائج هامة حيث أصبح التعايش والتفاهم والتعاون بين أتباع الأديان وسيلةً فعّالة من أجل بناء السلام وتحقيق الأمن وإقامة العلاقات السليمة بين الشعوب، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساس المنصوص عليها في العهود والمواثيق الدولية.
من هنا فقد أكدت البرقية المثقلة بالمعاني والدلالات الرافضة لكل شكل من أشكال العنف والتطرف والتي بعث بها جلالته أول من أمس إلى الحاكم العام في نيوزلندا على الموقف الأردني الثابت تجاه هذه المسألة التي ما انفك جلالته يدعو إلى توحيد جهود الدول والمؤسسات والهيئات الدولية والرسمية والشعبية للوقوف في وجه أصحاب الفكر والدعوات المتطرفة التي تسعى لتغذية مفاهيم العنف ونشر مفردات خطاب الكراهية بين بني الإنسانية في كل مكان، وهذه ليست المرة الأولى التي يؤكد فيها جلالة الملك بأن التحديات الراهنة في المنطقة تستدعي جهداً إقليمياً ودولياً مكثفاً للتعامل معها وإيجاد حلول جذرية لها بما يسهم في مكافحة ومحاصرة الحركات والتنظيمات الإرهابية في كل مكان من هذا العالم.
النداءات المتكررة لجلالة الملك في التصدي للإرهاب لم تنحصر في إطارها النظري فقط بل إنه قام بترجمة ذلك عملياً على أرض الواقع فكانت المملكة سباقة في طرح مبادرات عديدة في هذا الشأن من بينها إطلاق جلالته لرسالة عمان في العام ألفين وأربعة، ومنها مبادرة » كلمة سواء» ومن بينها أيضاً اعتماد مبادرة جلالة الملك «أسبوع الوئام بين الأديان» بقرار دولي خلال الدورة الـخامسة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في العام ألفين وعشرة، ومن بينها كذلك سلسلة جولات اجتماعات العقبة التي استضافتها الولايات المتحدة بحضور مسؤولين دوليين لبحث جهود الحرب على الإرهاب وغير ذلك من اللقاءات والمنتديات العربية والإقليمية والدولية التي كان لجلالته فيها خطابات وكلمات مؤثرة جسدت إيمان جلالته بحاجة العالم إلى نهضة فكرية وروحية شاملة، تقف معها وقفة تأمل في فلسفة الرسالات السماوية وتبحث فيها عن ذخيرة تعينها على الصمود والتجدد حتى تحفظ للإنسان كرامته وحريته في هذه الحياة.
ما يبعث على الفخر أن موقف المملكة بقيادة جلالته من مسألة مكافحة الإرهاب بالإضافة لجهده الدؤوب في إجلاء ما علق بالإسلام وتبيان حقيقته وجوهره الذي يدعو للمحبة والوئام والسلام، ظل مكان تقدير واحترام قادة العالم لما يتمتع به جلالته من شخصية سياسية وقيادية تحمل معها مسؤوليته التاريخية كملك هاشمي مناط به توضيح معالم الصورة الحقيقية للإسلام، وتجلى ذلك بحصوله على الكثير من الجوائز العربية والعالمية، من بينها جائزة تمبلتون نهايات العام 2018 وكان جلالته هو الشخصية العالمية رقم 48 وأول زعيم عربي يتسلمها، ومنها جائزة ويستفاليا في ألمانيا 2016 تقديراً لجهود جلالته في إحلال السلام العالمي وتعزيز مساعي الاستقرار والأمن لمختلف شعوب العالم، ومن بينها شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب والإنسانيات من جامعة جورج تاون 2005 تقديراً لإسهاماته في إحلال السلام العالمي وتحقيق التقدم والازدهار لشعوب المنطقة وتعزيز الحوار والتفاهم بين مختلف الثقافات والشعوب والأديان.
خلاصة القول لقد كان لجلالة الملك دور ريادي في تعظيم الجوامع المشتركة بين بني البشرية جمعاء وسعى ما زال لأن يتخذ الناس في كل مكان من التسامح والوئام والاعتدال نهجاً في حياتهم وفي نظرتهم للآخر، امتثالاً لتعاليم الإسلام السمح الذي رسخ فينا مفاهيم الحوار وتقبل الآخر.