أبواب : نداء الشناق
«طليقتي تشهر بي أمام الآخرين ، جعلت ابنتي تكرهني، زرعت الكراهية والحقد في قلبها تجاهي وغرست في ذهنها أني أب قاس»، بهذه الكلمات وصف هاني معاناة حرمانه من ابنته بعد الطلاق وعدم قدرته على استمالتها إليه.
تقول المرشدة الاجتماعية الأسرية سوزان خير إن :«تشهير الأزواج ببعضهما بعد الطلاق يؤثر اجتماعياً ونفسياً على سلوك أبنائهما ،إذ يصبحون ضعيفي الشخصية أمام الآخرين ويشعرون بالنقص والقلق والتوتر بالإضافة إلى أنهم يصبحون أكثر عدوانية وانعزالا لتجنب أسئلة من حولهم عن تصرفات ذويهم».
وتضيف خير: للأسف أن كثيراً من الأزواج بعد الطلاق يقومون بالتشهير والإساءة للسمعة وإفشاء الأسرار الزوجية للآخرين وعلى مسمع من الأبناء،وقد ينشرونها على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد وصل الأمر إلى عمل حفلات طلاق ونشر أسباب الطلاق مما يسبب للأبناء الأذى النفسي والاحراج لهم، بالإضافة إلى زرع الحقد والكراهية تجاه والديهما بسبب تلك المهاترات والثرثرة وعدم احترام خصوصياتهم بعد الانفصال».
وتشير خير إلى أن كثيرا من الأبناء تراجعوا في تحصيلهم العلمي وانحرفوا أخلاقيا بسبب الخلافات والمشاكل الدائمة بين ذويهم بعد الطلاق». وتلفت إلى أنه يقوم أحد الوالدين بالتشهير بالطرف الآخر بعد الطلاق لاستمالة الأبناء لصالحه حتى يتمكن من حرمان الطرف الآخر من رؤية الأبناء كنوع من الانتقام، وهنا يكون الأبناء ضحايا الآباء بسبب تشويه صورة احد الطرفين وزرع الكراهية فيهم».
وتوضح أن مثل هذه السلوكيات تخلق في نفوسهم أخلاقاً وسلوكيات سيئة تؤثر على علاقاتهم الأبوية، تجعلهم اكثر عرضة للانحراف بسبب افتقادهم للعاطفة من قبل والديهم وبحثهم عن محبة الآخرين الذين يمكن ان يكونوا رفقاء سوء يستغلون مشاكلهم الأسرية فيكونون صيدا سهلا بإدخالهم الى عالم مجهول ومخيف يحطم حياتهم.
وتبين خير أنه يجب أن يتفق الزوجان بعد الطلاق على حفظ أسرارهما الزوجية مراعاة لنفسية أبنائهما وعدم شحنهم بأجواء خلافاتهما السابقة مما يزيد من تشتت مشاعرهم والعمل على توفير سبل رعاية أبنائهما بعد الطلاق وأن يوفرا لهم سبل العيش الكريم بأمان واستقرار وتوفير احتياجاتهم ومنحهم مزيدا من المحبة والحنان وتمكينهم نفسيا وتعليميا حتى يتقبلوا فكرة انفصالهما مما يضمن تجاوز تلك المرحلة الصعبة في حياتهم إلى بر الأمان والاستقرار.
يقول التربوي الدكتور محمد سعود حسين تخصص إرشاد نفسي إن :«تشهير المطلقين ببعضهما يعود الى خلل في الشخصية، والتي بدورها تنعكس على الأبناء مما يساهم في غرس الجوانب السلبية فيهم، ويؤدي بهم الى الانهيار النفسي».
و يقول المحامي عاكف المعايطة «نتمنى أن يتم الانفصال بين الزوجين من دون شحن الاطفال وتحريضهم، وان تبقى العلاقة سليمة من أجل مصلحة الأطفال وان يستمر وجود الاولاد بينهما والمشاركة بنشاطاتهم والتواصل معهم دون ضرر، وأن لايكون الاطفال أداة انتقام وضحية، فقد ثبت ان المتضرر الاكبر من جميع حالات الطلاق هم الأطفال».
ويقول أستاذ قسم الفقه واصوله في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية الدكتور عبدالله إبراهيم الكيلاني إن القرآن الكريم يوجهنا إلى الأدب والخلق الذي يحافظ على إنسانية الإنسان في حال إنهاء العلاقة الزوجية بالطلاق في عدد من الآيات القرآنية منها قوله تعالى «وأن تعفوا أقربُ للتقوى» (البقرة :237)، فالقلب الذي يعفو هو القلب المفطور على الرحمة وهو جدير برحمة الله، أما من يرغب بالانتقام، وتحطيم الطليق فقد ابتعد عن التقوى وجانب الصواب.
ويشير الى اخلاقيات الصحابة رضوان الله عليهما بعد الطلاق، اذ ان جبير بن مطعم رضي الله عنه تزوج وطلق قبل الدخول فاعطى للمطلقة كل المهر مع أن الشرع والقانون يوجب عليه النصف فقط لأنه طلاق قبل الدخول، وقال أنا أحق بالعفو، وهذا مقصود الاية المباشر حيث حثت المطلق على إكرام زوجته السابقة إذا طلقها قبل الدخول، فمن باب أولى أن تحث من طلقها بعد الدخول وصار له منها أولاد على إكرام مطلقته.
ويذكر د.الكيلاني قول الله تعالى «ولا تنسوا الفضل بينكم» (البقرة: 273)، فالآية تذكر المطلقين إنه إذا حدث الطلاق فقد كان بينهم أيام من المودة، والكريم من يرعى ود ساعة، فلا يليق بالكريم أن يشهر بأم أولاده وبناته، و يحرم عليه أن يفتري عليها ليرضي غضبه ويطيع شيطانه ويستجلب غضب ربه وعقابه
ويشير الكيلاني الى وجود الأدلة القرآنية الموجهة لأدب الاختلاف بين الطليقين كقوله تعالى «وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ . حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ» (البقرة: 241)، فأمر أهل التقوى بأن يعطوا لمطلقاتهم زيادة على المهر متعة الطلاق من كسوة ومال تطييبا لخاطر زوجته السابقة حتى تكون لفضله ذاكرة ولمعروفه شاكرة.
ويبين الكيلاني أن الطلاق ليس سببا لسعي كل طرف لتحطيم الآخر معنويا والتشهير به، بل الكريم والشريف يرعى حق زوجته السابقة ويعطيها من ماله فوق حصتها من المهر وهو يرجو أن يجنبه الله تعالى الظلم لأنه ظلمات يوم القيامة وسبب لعقوبة الله في الدنيا والآخرة.
وينبغي على الطليقين أن يتنبها لأثر التشهير على أولادهما، فإن أخطر ما يدمر نفسية الابن أن تتكلم الأم على أبيه نقدا وسخرية، وأن خير ما تقدمه الأم لابنها ليكون رجلا ذا شأن وذا شخصية قوية أن تثني على أبيه وتذكر مكارمه، وهذا ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة.
التشهير بعد الطلاق.. مخاطر جسيمة
12:00 19-3-2019
آخر تعديل :
الثلاثاء