إلى أيِّ حدٍّ يمكن القول إن الحالة الوطنيّة الراهنة، طبيعيّة وصحيّة؟ وإلى أيّ حدٍّ نعيش ارتجالاً في القرارات والسياسات، وانفعالات في المواقف والآراء..؟
هذان سؤالان أساسيان ومهمان، إجابتهما كاشفة، وذات مغزى، في تقييم وفهم واقعنا وأسبابه، وتقدير إن كنا نضخم المواقف ونبالغ في الأحكام أم «لا».
يؤسس لإجابات قائمة على الفهم والتقدير السليمين، شرطٌ موضوعيٌ، هو أن نفكر بتجرد، وبلا انحيازات مسبقة، وننظر إلى ظروف الوطن دون عزلها عن سياقات إقليميّة ودوليّة معقدة ومتداخلة عميقة التأثير.
أي نمط تحليلي من هذا النوع، يقارب التفاصيل بنظرة أوسع وأعمق، كفيل بالوصول إلى استنتاجات منطقيّة تحدد ما يجب قوله وما لا يجب، وما نفعل ولا نفعل، وسقف ذلك ومداه.
مسؤولية ذلك مشتركة بين المسؤول، أياً كان موقعه، والمواطن، إن كان مستقلاً أم مندمجاً في مجموعة سياسيّة.
المطلوب من المسؤول، اليوم، أن يكون على قدر المسؤوليّة، في قراراته وسياساته، وأن يكون ملمّاً بمزاج الناس، وأنماط تفكيرهم، وقضاياهم الحسّاسة المثيرة لانفعالاتهم.
وإذا كان المسؤول، أيّ مسؤول، لا يتوافر على هكذا حساسيّة، ومجسات استشعار، لن يستطيع الاشتباك مع المزاج العام، ولن يجد لغة تخاطب وتواصل معه، عندها يتحول إلى عبء على الدولة لا عوناً لها.
فالأصل في القرارات أن تكون مدروسة بشكل كافٍ، والسياسات تناقش بعمق قبل إنفاذها، وأن يقدر، مسبقاً، ردود الأفعال المحتملة على كل قرار أو سياسة.
هذا التحضير الاستباقي، وحال قام على شفافية ومصارحة، ومبررات وحجج منطقيّة، من شأنه أن يقنع الناس، ويكسب دعمهم.
لكن المسؤول الذي لا يشتبك مع الواقع، ويعمل من غرفة مغلقة، ولا يضع ردود الأفعال في حساباته، سيكون من الصعب الاتكاء عليه في الملمات والتحديات.
نعم، نريد أناساً في مواقعهم على قدر المسؤوليّة، لا يديرون الأمور بارتجال، يمتلكون مهارات استثنائيّة، وإمكانات كبيرة لاتخاذ القرارات الصحيحة، وقدرة على محاورة الناس، مسؤولين يُعدِّلون من مسارهم إن اكتشفوا الخطأ وقبل أن يؤشر الناس إليه، والأفضل ألا يرتكبوه.
صحيح أن المواطن، عامةً ونخبةً، يعاني وعنده مشاكل تحتاج إلى حلول، لكن مطلوب منه أيضاً، أن يزن الأمور بميزان، وأن يضعها في سياقها، وينزلها مكانها الطبيعي، بلا مبالغة أو إغفال، وألا تكون فكرة الشعبية آسرة، فقد تحجب حقائق كثيرة، أو تؤدي إلى تضخيم تفاصيل صغيرة وبسيطة، دون حساب الكلف.
فإذا كان التعبير هدفه رفع مظلمة، أو إعلان موقف من قرار أو سياسة، فهذا حق مشروع، شرط عدم المبالغة في ذلك، وضرورة الموازنة بين الحق وحفظ الوطن، الذي يجب عدم أخذه إلى وضع معقد تستفيد منه قوى خارجية..
قوى ترى في الأردن الساحة والمخرج لمأزق «صفقة القرن»، وقوى ترى موازنة عمّان لسياستها الخارجية، ولو نسبياً، تعارض مصالحها. هذا كله يجعلها معنية بمفاقمة أزماته الداخليّة في محاولة لكسر إرادته ودفعه لتغيير مساراته.
بيقين تام، أقول إن الأردنيين، من يؤيد ومن يعارض، من يحتج ميدانيّاً ومن يحتج كلاميّاً، لا ولن يقبلوا أن يُستثمر بهم، وبمواقفهم، لإضعاف الدولة بوضعها بين حجري رحى؛ ضغط من الداخل وآخر من الخارج.
كل ما نحتاجه، هو أن نعظم الإحساس بالمسؤوليّة الوطنيّة، مسؤولين ومواطنين..