مُصطلح جديد قذف به زعيم حزب الأمة القومي المُعارض الصادق المهدي في وجه نظام البشير, الذي أبدى – حتى الان – تماسُكا هشاً رغم دخول الحِراك الشعبي العارم وغير المسبوق شهره الثالث, في تحدٍ لنظام «ثورة الانقاذ» (إنقاذ ماذا؟) القائِم والمستمِر منذ الإنقلاب الذي قاده الثنائي الإسلامَوِيّ (الترابي – البشير) في الثلاثين من حزيران 1989، قبل ان ينفرِد الأخير بالسلطة منذ العام 1999 وراح يُنكّل بشريكه «الشيخ", الى ان انتهى الترابي مُلحقاً ذليلاً بالجنرال, قبل ان يرحَل عن دنيانا.
"كبسولة التحرير» – أو البُرشامة كما يُطلِق أشقاؤنا المصرِيّون على الوصفة الطبية، أراد المهدي..الذي يشعر الآن ان «غريمه» الذي اطاحه قبل ثلاثة عقود, قد وصل الى أدنى درجات ضعفِه, وان البشير قبل حِراك «ديسمبر» ليس هو الان, رغم كل محاولاته التشبّث بالسلطة والقيام بمناورات لشراء الوقت, علّ الحِراك يَضعف او تخافُ قوى المعارضة تبِعات فرض قانون الطوارئ, او ربما تُغريها خطوات البشير نَقْلَ رئاسة حزبه لأحد معاونيه, كإشارة الى استعداده إرخاء قبضتِه وتمرّكز السلطة بين يديه, ومن ثم – ربما يلجأ الى إعلان «زُهدِه» في الترشّح مرة اخرى بعد انتهاء ولايته في العام المقبل.
محتوى «كبسولة» المهدي سياسي بامتياز, وان «تجرّعها» البشير فـ"إنه سيُجنّب السودان الفوضى وإراقة الدماء", ويمنح الفرصة لإعادة «ترميم» المشهد السياسي السوداني, الذي لم يعد بمقدور نظامِه الزعم انه يتوفّر على صلاحية او شرعية, بعد وصول البلاد الى درجة قُصوى من الإنهاك وانهيار الخدمات والبنى التحتية والإفلاس, وهي دخلت بالفعل نادي الدول الفاشلة او في طريقها الى ذلك. في ظل ما تواجِهه من عقبات ومشكلات وأزمات واستقطاب حاد واحتقان سياسي وشعبي,كُلّها صناعة النظام القائم.
تنحّي البشير ورفع حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين, هي جزء من كبسولة التحرير التي طرحها الزعيم السوداني المعارِض, الذي لم يزَل شخصياً,( وليس عبر حزبه الذي فقد جزءاً كبيراً من تأثيره ونفوذِه وشعبِيته, بعد ان تصدّرت قوى شبابية وأُخرى مهنية «تجمّع المهنيين السودانيين» المشهد الراهن, ولحقت بها الأحزاب الاخرى, التي أسهمت صِراعاتها وتنكيل النظام بها, في تراجع قوتها وعزوف الشباب عن الإلتحاق بصفوفها)، ما يزال المهدي يمتلِك النفوذ للتأثير على المشهد السياسي السوداني، الأمر الذي تبدّى في اعلانه الإلتحاق بالحراك الشعبي ودعمه له, بعد تردده في البداية, وخشيته قطع «الشعرة» التي ربطته بنظام البشير, بعد عودته من منفاه الطوعي.
هل يبتلِع البشير كبسولة المهدي التي تعني خسارة دوره السياسي وربما تُكلفه حياته, اذ لم يحصل على ضمانات إقليمية ودولية (دَع عنك الداخلية) بعدم تسليمه لمحكمة الجنايات الدولية؟ وهل يواصِل الجيش ولاءه للمشير, بعد ان باتت السلطة في عهدة جنرالاته؟ وربما هم الذين سيرثون «المشير» إما بانقلاب او بالتنحي الطوعي ويتركونه يُديرالمشهد مِن الخلف؟.
الامور مرهونة بميزان القوى السائد, في ساحات وميادين الخرطوم وباقي المدن السودانية الاخرى. بعد ان شملت «العَسكَرة» كل مناحي الحياة في السودان. ليس فقط بإعلان حال الطوارئ وتعيين جنرالات لحكم الولايات (المحافظات) السودانية, بل في جلب «جنرال» ليكون نائبا جديدا للبشير.
ثمة «كبسولة » مطروحة الآن تدعو الى» قيام نظام جديد يُحقّق السلام العادل والشامل والتحوّل الديمقراطي»، ولن يتوّفرإلاّ بتنحي الجنرال المُمسك بالسلطة منذ ثلاثة عقود, ويَمنَح للبشير «خروجا آمنا يُحوّل الإستقطاب الحاد الراهن, الى حال جديدة من الوحدة الوطنية التي تَمزّق نسيجها, نتيجة مقارفات النظام وارتكاباته.
فهل يهتبِل البشير الفرصة؟ ام يبقى على عِناده وتشبُّثه بسلطة دخلَت طور الإنهيار؟.