أفردت الكاتبة الأردنية بسمة النّمري مساحة كبيرة للمرأة في أعمالها، فهي مثقلة بقضايا المرأة، لأنّ المرأة هي "الأقدر على فهم طبيعة المرأة وروحها وأعماقها" على حدّ تعبيرها.
تناولت النّمري في قصّتها "نقطة حمراء في نهاية السّطر" همّاً أنثويّاً لم تؤطّره بزمان ومكان محدّدين، بل جعلته عامّاً يبوح بهمّ الزّوجة المعنّفة التي تتعرّض للضّرب والإهانة في كلّ البقاع، فجاءت القصّة تسرد حكاية امرأة تتعرّض للضّرب وتتجرّع مرارة الذّل والامتهان من يدٍ كانتْ تأملُ أن تكونَ اليدَ الدّافئةَ الآمنةَ التي تمدُّها بالدّفءِ والأمان، وترجو أن تَحنو عليها كلّما تحرّكت فيها مكامن الأنوثة، فبدأتْ القصّةُ بالضّربِ وانتهتْ بالضّرب، واضطرت الزّوجة للسّكوت والخضوع من أجل أطفالها ومن أجل صغارها، لكنّها حين رأت "علامات الحزن والاكتئاب تبدو على وجوههم... هزّت رأسها بأسىً وحُرقة والتهبت في جوفها نيرانُ السَّخَط والثّورة"، لكن كما يبدو هي ثورة بائسة انقلبت عليها وراحت هي ضحيتها.
لقد استأثرت هذه القضيّة باهتمام الجميع؛ أدباء وفنّانين ومفكّرين وباحثين اجتماعيين، غير أنّ النّمري ركزتْ في طرحها للقضيّة على جوانب مهمّة تمثّلت بكبر حجم المعاناة، وبالأثر النّفسيّ الذي يحفر ويترك نُدُوباً وجروحاً في نفس الزّوجة ونفوس الأطفال، لا تزول بمرور السّنين.
ومثّل هذا الهمّ صراعاً مريراً انفتح عليه النّصّ من الكلمات الأولى، فبدأت القصّة بسرد مشهد الضّرب: "رفع ذراعه ثمّ هوى بكفّه على صدغها فارتطم رأسها بالحائط القريب منها. استغرقتها ثانية من الوقت كي تسحب مشاعرها الذّبيحة من تحت أقدامه". فهو همّ لا يحتاج إلى تمهيد أو مقدّمات، وقد ملأ على الكاتبة وجدانها فلم تستطع تأخيره أو التّمهيد له، وظلّ يكبر ويتنامى في منحى تصاعديّ بلغ ذروته حين "انقضّ عليها مزمجراً وعيناه تقدح شرّاً وشرراً"، وانتهى هذا الصّراع نهاية دمويّة مؤسفة، فقد "كانت هناك دماء كثيرة... دماء كثيرة في كلّ مكان". عند نهاية السّطر الأخير انتهت الزّوجة المعنّفة، وانتهى همّها معها ليبتدئ بعد ذلك همّ الأولاد الذين سيُشردون، وهمّ المتلقّي الذي تأجّجت في نفسه مكامن الرّفض والإدانة لهذا السّلوك المشين، فقد شكّلت النّهاية الدّمويّة المحزنة رسالة صارخة بضرورة إنهاء العنف ضدّ المرأة والأبناء بكل أشكاله.
هيمن السّرد على هذه القصّة وتَكفّل بنقل الأحداث وتقديم قاعدة متينة للمتلقّي لالتقاط الخيوط الأولى لقضيّة النّصّ، وغاب الحوار عن المشهد، ففي هذا البيت الواهن لا حوار ولا تفاهم، بل خيّم الصّمت والسكون المقيت على الأجواء، وتقطّعتْ سبل الحوار وكان الضّرب والعنف هما الحاضران. وتكفّل السّارد العليم بسرد تفاصيل التّعنيف وحيثيات المشكلة، فانحاز إلى الزّوجة وتماهى معها وكأنه ينطق بلسانها ويعبّر عن مأساتها ومعاناتها. ولعلّ ذلك كان مقصوداً وضروريّاً للنّصّ، فلم تسرد الزّوجة في هذه القصّة معاناتها لأنّها بلغت من الضّعف والهوان ما جعلها عاجزةً عن البوح أو التّعبير، إذ إنّها "لم تصرخ ولم تبكِ، حتّى إنّها لم تقاومه بتاتاً، بل انكمشتْ على نفسها"، فكان السّارد الذّاتيّ خياراً غير مطروح، عُدِل عنه إلى ساردٍ عليمٍ نقل المشهد وعبّر عن المكنونات.
تعدّ الشّخصيّة أحد أعمدة العمل القصصيّ، فبها ومنها يُبرز الكاتب غايته من العمل الأدبيّ، ولقد كانت شخصيّة الزّوجة في هذه القصّة باهتة المعالم، لا صوت لها ولا فعل، كانت مستقبِلة للضّرب دون أدنى مقاومة، فتأديتها لأدوارها كزوجة وأمّ لم يشفع لها، بل كوفئتْ بالضّرب والإهانة، فهي زوجة مسؤولة "أعدّت له عشاءه كأحسن ما يكون.... وانتقت له ثيابه التي سيرتديها بعناية فائقة"، وهي أمّ رؤوم فقدتْ العطف والحنان لكنّها استطاعت بأمومتها أن تمنحهما لأطفالها: "لا تخافوا يا صغاري، مهما حصل فلن أموت، إنّه شجار بسيط يقع دائماً بين أيّ والدين، انسوا الأمر الآنَ فعندي لكم مفاجأة، انظروا، لقد أعددتُ لكم طبقَ الحلوى التي تفضّلون". ولم تشأ الكاتبة أن تختار لبطلتها اسماً، بل عبّرتْ عنها بــ"الزّوجة" لتكون نموذجاً لكلّ زوجة معنّفة، ومن جهة أخرى لتذكّرنا بأنّها لا بدّ أن تحظى باحترام وتقدير بوصفها زوجة، لكنّ ذلك لم يحدث.
أمّا شخصيّة الزّوج في هذه القصّة، فقد جُرّدت من كلّ صفات الزّوج المأمولة، فصوتهُ الصراخ والإهانة، وفعلُه الضّرب والعنف، ودورُه في الأسرة الأكل والنّوم ثمّ الخروج للسّهر المعتاد. هو زوج تنصّل من واجباته ومسؤولياته، بل فعل عكس تلك الواجبات، فغدا كعصا أو سوْطٍ لا وظيفة له إلا الضّرب، فحين "كَلَّت يداه عن توجيه المزيد من الضّربات، وعجزت قدماه عن الرّكل أكثر، أدار ظهره لها وسار نحو غرفته، وقبل أن يصفقَ الباب خلفَه أمرها بأن تعدّ له الحمّام وطعامَ العشاء ثمّ توقظَه في السّابعة تماماً ليسهرَ خارج المنزل كعادته في كلّ ليلة". لقد أبدعت الكاتبة في اقتحام جدران البيوت، وكشف هذه الشّخصيّة وأمثالها في المجتمع وتعريتها أمام الجمهور، ورسم صورة بشعة لها، ليكون ذلك دافعاً لمجّها ورفضها واستئصالها من المجتمع.
وشكّل الأبناء همّاً آخر بدا جزءاً أساسيّاً من همّ الزّوجة الصّابرة التي اضطُرّتْ أن تصبر وتتحمّل الضّرب والتّعنيف من أجلهم، مردّدة: "من أجل أطفالي.. من أجل صغاري.."، غير أنّ همّها تعاظمَ وتضخّم حين "نكّسوا رؤوسهم في محاولةٍ لإخفاء دموعِهم عنها"، فإن كانوا من قبل سبباً في صبرها، فهم الآن سببٌ لثورتها: "فالتهبت في جوفها نيرانُ السَّخَط والثّورة، وتصاعد دخانها الأسود حتّى شمل عقلها".
أما العنوان (نقطة حمراء في نهاية السّطر)، فشكّل العتبة الأولى للدّخول إلى عالم النّصّ، وقد جاء مثيراً للتّساؤل دافعاً المتلقّي إلى التّفكير والتّـأمّل في أبعاده ودلالته، فعلى الرّغم من طوله النّسبيّ إلا أنّه لا يُعطي أيّ إيحاءات عن القضيّة، ويظلّ غامضاً إلى أن تتكشّف رمزيّته في السّطور الأخيرة، فالنقطة الحمراء هي الدّماء التي تسيل في مثل هذه المشاكل، و"نهاية السّطر" هي النّهايات الأليمة التي تنتهي بها هذه المشاكل الأسريّة. ومن جهة أخرى تتداخل هذه الدلالات الرمزيّة لكلمات العنوان مع "النّقطة"، علامة التّرقيم التي انتهى بها السّطر الأخير في آخر فقرة من فقرات القصّة، في إشارة إلى نهاية الكلام، إذ لا شيء يمكن أن يُقال بعد هذه المأساة التي وقعتْ. وهذه النّقطة حمراء في إشارة إلى لون الدّم، فقد "كانت هناك دماء كثيرة... دماء كثيرة في كلّ مكان".
وظّفت الكاتبة لغة واضحة دالّة معبّرة عن هموم المرأة ومعاناتها، محقّقة لرسالة الكاتب، تشدّ المتلقّي وتحرك مشاعره للتّفاعل مع النّصّ وتبنّي قضيّته، فقد انقسمت الألفاظ إلى قسمين: القسم الأول تفوح منه رائحة عنف تزكم الأنوف، من مثل: "هوى بكفّه على صدغها"، "فارتطم رأسها بالحائط"، "تسحب مشاعرها الذّبيحة من تحت أقدامه"، "فتكاد تفقأ عينيها وتحطّم أنفها".. وفي القسم الثّاني هناك ألفاظ ترتبط بالزّوجة وتتمحور حول الصّبر والخضوع والخنوع والسّكوت، من مثل: "لم تقاومه بتاتاً"، "انكمشت على نفسها"، "تمنحها قدرة هائلة على الصّبر والاحتمال"، "تنهدت الصُّعداء ونهضت تجرّ قدميها". لقد استدرّتْ هذه الألفاظ عطف المتلقّي تجاه الزّوجة، وهيّجت مشاعر الرّفض والإدانة لظلم الزّوج وطغيانه.
جاءت القصّة طافحة بالأفعال الحسيّة المباشرة النّابضة بالحركة لتعزّز المشهديّة في النّصّ، ولتكشف الهمّ الذي تناولته وتفضحه وتُريه للمتلقّي، وترسم صورة مشهديّة للأحداث في ذهن المتلقّي، وقد تكفّلت الأفعال الحسيّة بهذا الدّور، فانتظمت أغلب سطور القصّة، ونقلتْ مشهد الضّرب حين: "رفع ذراعه ثمّ هوى بكفّه على صدغها فارتطم رأسها بالحائط القريب منها". ورسمت صورة لتعامل الزّوجة الودود مع زوجها" "أيقظت زوجها ليستحم، ثمّ توجّهت نحو المطبخ وأعدّت له عشاءه كأحسن ما يكون، حملت الصّينية وعادت بها إلى غرفته حيث اعتاد أن يتناول وجباته وحيداً فيها... فتحت خزانة ملابسه وانتقت له ثيابه التي سيرتديها بعناية فائقة، مدّدتها أمامها على سريره". تَظهر الأفعال طيّعة في يد الكاتبة، حيص أحيتْ النّصّ وحركت سكونه.
وكان للتّصوير الفنّيّ دوره الجماليّ في النّصّ، فجاءت الصّور جميلة مبتكرة في ثوب قشيب وحُلّة زاهية، فعلى الرّغم من العنف والضّرب إلا أنّ الصّور الفنّيّة لم تتخلّ عن دورها هنا أيضاً، فجاءت لتعبّر عن مشاعر الزّوجة البائسة بعد تعرّضها للضّرب فهي "تسحب مشاعرها الذّبيحة من تحت أقدامه وتسدّ منافذ الخوف التي فُتحت قبل أن تسيل منها إنسانيتُها وكبرياؤها". وفي موضع آخر نقلتْ الصّورُ الفنّيّة شراسة الزّوج وعدوانه: "انقضّ عليها مزمجراً وعيناه تقدح شرّاً وشرراً، كان الغضب المجنون قد استولى عليه تماماً". وساهمت الصّور الفنّيّة في تحريك خيال المتلقّي من خلال تخيّل المعنى وتصوّره، وقدّمت المعاني بصورة غير مباشرة بعيدة عن أسلوب التّقرير.
جاءت النهاية صفعة قويّة مفاجئة للمتلقّي، فقد "كانت هناك دماء كثيرة.. دماء كثيرة في كلّ مكان"، إذ لم نتخيّل أن تنتهي القصّة هذه النّهاية المأساويّة الأليمة، حتّى وإن كان مشهد الضّرب هو المسيطِر على أحداثها، وربّما اختارت الكاتبة هذه النّهاية الصّادمة لتكون رسالة قويّة للمجتمع بضرورة التّكاتف والتّعاون لوقف هذه الظاهرة الخطيرة نتائجها على الأسرة، فهي ظاهرة تمسّ أهمّ لبنة من لبنات المجتمع، بها صلاحه، وبها تتقوّض أركانه ودعاماته.
(نقطة حمراء) لبسمة النّمريّ.. هموم المرأة
12:00 2-3-2019
آخر تعديل :
السبت