أبواب - زياد عساف

ليست بالمهمة السهلة أن يجد الفنان و الشاعر نفسه تحت قبة البرلمان، فهو كنائب مهمته تلبية احتياجات أبناء دائرته الإنتخابية و على الجانب الآخر مبدع هاجسه التعبير عن الإحتياجات الإنسانية من مشاعر وعواطف نبيلة تتخطى حدود الجغرافيا وعوائقها، هذه التجربة عاشها حيرم الغمراوي فترة الخمسينيات، ففي الوقت الذي حقق فيه كنائب منجزاً لأبناء بلدته بافتتاح مصنع للغزل و النسيج، راح يغزل أجمل الكلمات وينسج أروع الصور الغنائية لتغدو فيما بعد ألحانا شكَّلها أشهر الملحنين كتعبير أمثل وأجمل عن أحلام الناس ليس في بلدته أو وطنه فحسب، وإنما على امتداد الوطن العربي عموما.

أدب الشعب..

بين الصبية الصغار اعتاد أن يأخذ مجلسه بانتظار شيخ الكتاب في مدينة ميت غمر التي ولد بها عام 1924، وعلى يد أستاذه الشيخ أخذ ينهل من علمه بدراسة وحفظ القرآن الكريم وتذوق جمال اللغة العربية وبلاغتها، توجه بعدها للمدرسة الإبتدائية وبدأت تبرز لديه موهبة الشعر وقتها، تابعت الأيام دورتها وحصل على التوجيهية من مدرسة ميت غمر الثانوية.

إلى القاهرة شد الرحال ليلتحق في الجامعة الأميركية ولمدة أربعة أعوام أنهى خلالها متطلبات حصوله على شهادة الليسانس في الصحافة، تأليف كتاب كان له وقع في نفوس القُرَّاء وفرحة لا توصف شاء لحيرم الغمراوي أن يعيشها بمجموعة مؤلفات صدرت له ومنها كتابه الأول (زهور في روضة الأدب الشعبي) عام 1952، و كان من أوائل كتَّاب الأدب الشعبي في مصر ومن خلال كتابه (أدب الشعب) 1958، وحقق نجاحاً بهذا المنجز لدرجة نفاد الكميات فور صدوره، وفي مجال الشعر صدر له مجموعة قصائد في كتاب (الحياد الإيجابي و مستقبل السلام)، بالإضافة للعديد من القصائد والمخطوطات والمقالات الأدبية التي صدرت في أشهر المجلات وقتها مثل الهلال والكواكب والمصور.

في مجال تخصصه بالصحافة التحق في مؤسسة دار الهلال في القاهرة، واستمر بها لمدة سبعة عشر عاما، ثم عمل في صحيفة الجمهورية، ورئيسا لتحرير مجلة الصحراء عام 1956، ومن ضمن المهام التي أوكلت إليه تعيينه ملحقا ثقافيا عام 1955 في جمهورية السودان.

عام 1957 تقدم لخوض انتخابات مجلس الشعب عن ميت غمر عام، وكان عند حسن ظن ناخبيه و أعلن عن إنشاء مصنع ومحلات تجارية وشارع، وجمع تبرعات من أبناء بلدته تقدر بمليون جنيه وهو مبلغ كبير يومها و بمساهمة مالية من الدولة أيضاً مكنته من إنجاز مشروع مصنع الغزل و النسيج كما سبق، وتولى فيما بعد رئاسة هذا المشروع لفترة طويلة من الزمن.

ست البيت..

سمة مشتركة غلبت على طبيعة الأفلام الغنائية المصرية بتوظيف الأغنية ضمن سيناريو الفيلم، وبصورة منسجمة مع الواقع الدرامي، تميُّز حيرم بمجال كتابة الأغاني مهد له هذه الفرصة وهو في عمر خمسة و عشرين عاما، ابتدأها بأغنية (يا ليل يابو الليالي) غناء و تلحين عبد العزيز محمود وبفيلم (ست البيت) إنتاج عام 1949، إخراج أحمد كامل مرسي وتمثيل عماد حمدي و فاتن حمامة و شكوكو و سعاد مكاوي، وضمن أحداث فيلم (خليك مع الله) 1954 للمخرج حلمي رفلة، غنى ولحن محمد الكحلاوي من كلمات حيرم: على فين يا وابور و خليك مع الله، اشترك بالعمل بالإضافة للكحلاوي كل من اسماعيل ياسين و المغنية نادية رياض و زمردة.

”علشان عيونك” كان عنوان الفيلم الثالث انتاج 1954 و إخراج أحمد بدر خان، وتمثيل شكري سرحان ونوال الوجه الجديد وقتها، في هذا العمل ومن أشعاره غنى و لحن عبد العزيز محمود أيضاً (الصبر يا قلبي)، آخر مشاركاته السينمائية كانت بفيلم (منتهى الفرح) 1963، وبأغنية لشادية خاصة للجيش المصري العائد من اليمن ومطلعها: ورد يا ورد.. أحب الورد.. على شعبي مية فل وورد، هذه المشاركة تحديداً كانت فرصة لمقارنة موهبته في الكتابة مع غيره من شعراء الأغاني، نظراً لمشاركة العديد من الشعراء بمجموعة أغنيات بالفيلم أمثال: أحمد رامي ومرسي جميل عزيز و محمد حمزة و صلاح فايز وعبد الرحمن الخميسي، وبصوت أشهر المطربين وقتها: محمد عبد الوهاب و فريد الأطرش و فايزة أحمد و صباح ومها صبري ومن المغرب: عبد الوهاب الدوكالي.

من مصر لاسكندرية..

استهوته كتابة الدراما الغنائية الإذاعية وخص الإذاعة بمجموعة من الأوبريتات الإذاعية تنوعت ما بين التأليف وكتابة الأغاني ومن بينها: (حسن الفاكهاني) الحان سيد مصطفى و اخراج محمود اسماعيل، والغناء لمحمد قنديل و فايدة كامل، ابن عروس 1956 لمحمد قنديل حورية حسن، (شجرة الدر) موسيقى و ألحان حسن جنيد، غناء فايدة كامل وكارم محمود و عباس البليدي والإخراج ليوسف الحطاب أيضاً، (جنة الصحراء) و شاركه بالتأليف السيد ذكري، غناء عباس البليدي، شفيق جلال، هند علام، فاطمة علي و المجموعة، ومن ألحان فؤاد حلمي و إخراج محمود السباع، (من مصر لاسكندرية) غناء عصمت عبد العليم، محمد رشدي، عباس البليدي، ألحان محمود الشريف، (الفرحة الكبرى) الحان سيد مصطفى وغناء محمد قنديل و حورية حسن، (كلمة واحدة) ألحان أحمد صدقي وغناء محمد رشدي و اسماعيل شبانة و كارم محمود و حورية حسن.

انتسب حيرم لجمعية المؤلفين و الملحنين بالإضافة لعضويته في ندوة شعراء العروبة، وقدم أكثر من 14 مسلسلا شعريا غنائيا لبعض الدول العربية، ومنها (مواكب الأنوار) وهو عمل ديني عن السيرة النبوية، و قدم لإذاعة البرنامج العام فوازير رمضان (معالم مقدسة) لنور الشريف و نورا.

والله ما انا سالي..

ويبقى للنجاح و الإبداع دلالته، ولا يحتاج شاعر غنائي بوزن حيرم الغمراوي لما يؤكد موهبته و قدراته، لطبيعة الأسماء من كبار الموسيقيين الذين صاغوا كلماته بألحان شجية أمثال: محمد القصبجي، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، مدحت عاصم، محمد الموجي، بليغ حمدي، منير مراد، سيد مكاوي، احمد صدقي، محمود الشريف، عبد العظيم محمد، عبد العظيم عبد الحق، محمد فوزي، محمد قاسم، فؤاد حلمي، علي فراج، محمود كامل، حسين جنيد، أحمد صبرة، محمد محسن، محمد ضياء الدين وغيرهم الكثير، باستثناء قلة من نجوم الغناء العرب فلقد غنى أشعاره أشهر المطربين، من كلماته غنى محمد عبد الوهاب رائعته: والله ما انا سالي، محمد فوزي: ياللي انت بعيد والعشرة هانت، رجاء عبده: أقولك إيه يا قلبي و احترت اشبه حسنك بإيه، عبد الغني السيد: يا لايمين حبة حبة، محمد قنديل: هات يا زمان و يا مغلواني الهوى، نازك: يا حلو تحت التوتة و جمعتنا الأيام، عبد العزيز محمود: ياليل يا بو الليالي و يا صغيرين ع الهوى وبين العيون يا عين، فايدة كامل: رمش الغزال و حلمك يا حبيبي عليا، ملك: عصفور جريح و شربت الكاس، شادية: ع البحر ياعين، نجاة علي: عابر سبيل، شريفة فاضل: كتر من دلالك، حورية حسن: حب الجمال و عصافير الجنة، أحلام: غاوي الحمام و نور على نور، محمد الكحلاوي: ارقص يا قلبي، حفصة حلمي: بزيادة يا قلبي، عبد اللطيف التلباني: ست الكل، سعاد محمد: طلي من العلالي، سميحة فخر الدين: يا عاشق زينا داري، محمد صلاح: حتى انت كمان، ودويتو: يا عاشقة الليلة و سهرانة غناء: محمد عبد المطلب و فاطمة علي، ومن أغاني الأعراس قدمت شريفة فاضل من كلماته أغنيتها الشهيرة: مبروك عليك يا معجباني يا غالي و صباحية مباركة، فاطمة علي زفوا العرايس.

من فوق برج الجزيرة..

يصنف حيرم الغمراوي ضمن أهم من نظموا الأغنيات الوطنية التي واكبت احداثاً مهمة في مصر و البلاد العربية، ومن بينها مجموعة أغنيات لفايدة كامل ومنها: عاد السلام يا نيل، نهاية العدوان الثلاثي، حررنا خلاص أراضينا، حيوا شهيد الحرية غني للبشاير يا أرض الجزاير، وغنى له أيضا كل من: نجاة علي: عيد الشعب، محمد قنديل: كفاح العرب و يا راجع من اليمن، عبد اللطيف التلباني: من فوق برج الجزيرة، عبد الغني السيد دعاء النصر و مواكب للعلا طالعة، كارم محمود: أخي في العروبة و موكب التحرير ( إيدي في إيدك يا عم ) التي تعتبر من أوائل الأعمال التي تغنت بثورة يوليو 1952، شهرزاد: يا رجالنا يا أحرار و الشعب و الجيش، نجاة الصغيرة: يا طلعة السعد يا ولدي، محمد قنديل: القرض الوطني أو (ياللا يا شغال)، فايزة أحمد: يا أجمل أم، محمد العزبي: اكتر من الحب.

جمال الروح..

و من نظمه أيضا قدم مجموعة من الأغنيات عن الوحدة المصرية السورية ومنها وبصوت ليلى مراد: باسم الله وباسم الوحدة، فايدة كامل: ع الوحدة يا ماشاء الله، فايزة احمد: الله يا فجر، نجاة علي: دور يا زماني ،ومن أغاني المجموعة: حوم يا حمام ألحان رياض السنباطي و حبايب ألحان سيد اسماعيل.

المطرب محمد الكحلاوي الذي اشتهر بالأغاني الدينية شدا من نظم حيرم عدة أغنيات منها: هو الله و يا إمام المؤمنين، بالفترة التي برز بها حيرم الغمراوي وكأي شاعر غنائي كان يتمنى أن تغني أم كلثوم من أشعاره، وهذا ماتم الإتفاق عليه، وكتب لها أغنية: جمال الروح وشرع رياض السنباطي بتلحينها، إلا أن السنباطي اختلف وقتها مع أم كلثوم، وقدم اللحن للمطربة نازك بدلا من كوكب الشرق و خسر حيرم هذه الفرصة التي كانت ستحدث نقلة في مسيرته كشاعر غنائي.

الصورة السائدة عن أغاني زمان أنها تعبير عن الشكوى و العتاب، وهذا بدوره إجحاف بحق العديد من مبدعي الكلمة والنغم وقتها، فهناك آلاف الأغاني المنسية والتي تعكس في نسبة كبيرة منها أفكاراً ومضامين غايتها الارتقاء بالإنسان على الصعيد الوجداني والحضاري.

ياللي تحب الحياة..

حيرم الغمراوي قدم العديد من هذه النماذج الراقية، ومنها أغنية شريفة فاضل: خليلي حليلي، التي تدعو للترابط الأسري وجاءت على شكل رسالة توجهها الزوجة والأولاد للأب في بلاد الغربة معبرين عن اشتياقهم له.

وفي دعوة للتفاؤل و الأمل غنت شهرزاد من كلماته:

ياللي تحب الحياة .. عيش بالأمل تلقاه

تملى حياتك نور .. .. مع كل فجر جديد

اصحى بقلب جديد .. كله أمل وسرور

ياللي تحب الحياة.. غني وحي الحياة.

تتجلى قيمة الإنسان بأن يكون ودوداً مع الناس، هذه الفكرة صاغها حيرم شعرا وشدت بها هدى سلطان ومطلعها:

خليك ودّاد يا ولدي.. والناس للناس يا ولدي.. جامل يا حبيب الروح جامل.. علشان تتحب و تتجامل.. دا الشهم يبان وقت الشدة.. ويؤدي الواجب بالكامل.

يا بنتي بلدي..

ولم ينس التركيز على دور المرأة العربية الفاعل في كافة مناحي الحياة بأغنية شادية: يا بنت بلدي زعيمنا قال.. قومي وجاهدي و يا الرجال، وبها تنادي في حق المرأة بالتعليم: وانتي ياللي العلم ناداكي.. جاهدي بنوره واهدي شعب النيل بهداكي، سبق حيرم الغمراوي زمنه في واحدة من أغنياته التي أداها اسماعيل ياسين بعنوان: أنا.. أنا مين زيي أنا، وخاصة في هذا المقطع الذي يحذر به من الأنانية الفردية لدى بعض الناس ومخاطرها على الأوطان نهاية المطاف:

”ياما شعوب اتقندلت و اتهزأت واتبهدلت

من الأنانية اللي داست ع الوطن

ومن التخريب و الخيانة والفتن

كان ده أنا وده أنا بزيادة انا

فضونا يا هو .. فضونا يا هو.. من أنا!“ .