كتاب

المُعارَضة السودانِية إذ تّتوعّد «البشير» بـِ «مَوكب الرحيل»

وفق البرنامج الذي أعلنه تحالف «إعلان الحرية والتغيير», الذي شكّلّته قوى سودانية مُعارِضة كَتجمّع المِهنيين السودانيين (نقابِي غير حكومي) وأحزاب مُعارضة, أبرزها نداء السودان والإجماع الوطني ومُنظمات مدنِية سودانية، فإن من المُقرّر اليوم/الخميس خروج جُموع المُتظاهِرين في «مَوكب الرحيل», وتوجهّهم نحو القصر الجمهوري حامِلين معهم «مُذكرة الرحيل», بمشاركة قيادات الأحزاب وقيادات مدنية ومِهنية واجتماعية ودينِية, كما ذكر البيان الذي جاء فيه أيضا «..سَنتحدّى المُستبِد عيانا في يوم نُرِيه فيه عزم شعبنا وثباتِه النَبيل».

خطوة لافِتة تبدو مثيرة ونوعية, في إطار الحراك الشعبي السوداني, المتواصِلة فصوله ومواجهاتِه الدامية منذ التاسع عشر من شهر كانون الاول الماضي, والذي أبدت فيه حكومة المشير البشير بعض المُرونة «الإضطرارِية,عبر إعلان استعدادها للحوار مع المعارضة, الاّ ان الاخيرة رفضَت حواراً عبثِياً كهذا, مُعلِنة تمسّكها بإسقاط النظام وتصفية مؤسساته. بل إن أحد ابرز رموز المعارضة زعيم حزب الأُمة القومي الصادق المهدي, اعتبر ما يجري في السودان منذ شهرين بأنه «فرصة تاريخية لقوى التغيير, للإقدام على تغيير أوسع من نموذج الربيع العربي»، مُضيفاً: أن الوقت مُناسب لإحداث التغيير وإقرار حكم ديمقراطي, مُحذِراً من محاولات نظام الخرطوم, إجهاض التظاهرات التي انتظمت مؤخرا في مُدن سودانية عدة. لافِتا الى احتمالات حدوث «إنقلاب داخلي", أو استيلاء أحد مراكز القوّة داخل النظام على السلطة. فهل وصلَت الامور الى نقطة اللاعودة, بين نظام الجنرال المُمسِك بالسلطة منذ العام..1989 والمعارَضة؟

من السابِق لأوانه الحديث عن نصر وشيك للمعارضة, بعد الدعم الذي قدمته الولايات المتحدة لنظام البشير,هذا الدعم الذي جاء مؤخرا (قبل يومين) على لسان المساعد الخاص للرئيس الاميركي, كبير المستشارين بمجلس الامن القومي لشؤون افريقيا...سيريل سارتر عندما قال (وفي الخرطوم): إن السودان يمُر بمرحلة «إنتقالية» تتطلّب احترام الحكومة لِحقّ المواطنين في التعبير السلمي عن أنفسهم, مع التزام - أضاف - الطرف الثاني (المُتظاهِرين) بالسلمية ذاتها(..). كلام اميركي مغسول ورخو ومُراوِغ, يستبطن دعماً لنظام البشير, ويساوي بين «طرفين» وبخاصة إشارته رفض بلاده احتمالات اي تدخّل «خارجي» (..) في شؤون حكومة البشير, وفرض حلول لتحدّي الإحتجاجات المُستمِرة التي تواجِهها منذ شهرين.

كما تزامَن ذلك مع «حدث» قد يكون مُؤشراً(وإن كانت ثمة احتمالات ضعيفة,على إمكانية إعلان البشير عزوفه عن الترشّح مُجدّدا بعد انتهاء ولايته في العام المقبل,وهو أحد الأسباب الرئيسة للتظاهرات الجماهيرية الواسعة, التي بدأت بالإحتجاج على الغلاء وندرة السلع والدواء والوقود و"النقود", ثم انتهت الى المُطالبة بتنحي الجنرال وحكومته عن السلطة.

"الحدَث» المقصود هو إعلان اللجنة «الطارئة» لدراسة التعديلات الدستورية بالبرلمان السوداني, تأجيل اجتماعاً كان مُزمعا لها السبت الماضي, وكان على جدول اعمالها بند «تمديد» اجل رئاسة الجمهورية واختيار حُكّام الولايات, على نحو يسمح بتعديل المادة (57) من «الدستور", يُمكِّن المشير البشير من الترشّح دورات «مفتوحة» بدلا من التقيّد بدورتين, الى جانب تعديل المادة (178) لمنح الرئيس «حَق» عزل الوُلاة.

لم يتم تحديد موعد جديد لاجتماع «اللجنة الطارئة»، ربما بانتظار ما ستُسفِر عنه تحركات تحالُف «إعلان الحرية والتغيير", الذي جمع المعارضات السودانية على نحو غير مسبوق, عجِزَت عن بلورته على هذا الشكل منذ ثلاثة عقود, هي فترة حكم الجنرال الذي جاء الى الحكم عبر انقلاب عسكري في 30 حزيران 1989.

وربما يكون التأجيل مُقدمة لـ"حوار» مع المعارضة «يتنازل» فيه البشير عن الترشّح مُجدّدا وعدم اللجوء الى تعديل الدستور, مقابل حصوله على «ضمانات» بعدم المُلاحقة و المحاكَمة, أو تسليمه الى محكمة الجنايات الدولية كمطلوب منها منذ سنوات. وربما وهذا احتمال مُرجّح – حدوث انقلاب «داخلي» يتولى فيه جنرال مُقرّب من البشير الحكم, ليبقى الأخير «مُرشِداً روحياً» للنظام الجديد, وحاكِماً من خلف السِتارة.

kharroub@jpf.com.jo