ليست المرة الأولى التي تقدم فيها حكومة اليمين الإسرائيلي على إجراءات أحادية الجانب تستهدف تهويد مدينة القدس الشريف رمز المحبة والسلام لمحاولة طمس المعالم الحضارية والتاريخية العريقة لهذه المدينة المقدسة عند أتباع مختلف الديانات، فمثل هذه الأعمال باتت ديدناً في عرف سياسة الاحتلال والحكومة التي ما انفكت تضع العراقيل والعُقَد أمام الجهود الدبلوماسية التي يقودها الساسة والمفكرون لتحقيق السلام ووضع حد لأمد طويل من الصراع العربي الإسرائيلي ولكن دون جدوى في ظل الاستمرار بمثل هذه الإجراءات التي لا تتفق والأعراف والمواثيق والعهود العالمية.
في هذه المرة والآونة كان باب الرحمة والذي هو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك مسرحاً لإجراءات اسرائيل التي قامت بوضع الأقفال الحديدية على رأس الدرج المؤدي إلى مبنى هذا الباب الحيوي إلى جانب الاقتحامات اليومية له ومنع المصلين من الوصول إليه إضافة إلى توفير الحماية للمستوطنين أثناء اقتحامهم للمسجد، وهي إجراءات تتوافق مع حملة التطهير العرقي ضد المواطنين المقدسيين وطردهم من منازلهم واحلال مستوطنين متطرفين مكانهم وغير ذلك مما يقع في إطار السعي الدائم لإحداث تغييرات دينيّة أو ثقافية أو اجتماعية مختلفة.
ومع تصاعد وتيرة حملات التهويد هذه بشكل خطر على القدس فإن المملكة الأردنية الهاشمية بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني تقف بكل طاقاتها وإمكاناتها للتصدي لمثل هذه الاختراقات والتجاوزات لإرغام اسرائيل على التراجع عنها وهو ما تم خلال الأيام الماضية التي بذل خلالها جلالته جهداً دبلوماسياً مكثفاً أسفر عن قيام الشرطة الإسرائيلية بإزالة الأقفال والسلاسل الحديدية عن الباب ليعود الوضع على ما كان عليه ويمارس المصلين شعائرهم دون خوف أو وجل أو معيق.
الاتصالات التي أجراها جلالته أعادت تأكيد قناعة الأردن المطلقة بأن لا سلام ولا استقرار في المنطقة في ظل استمرار عمليات ومحاولات تهويد القدس وانتهاك مقدساتها وحرمتها، وأن عليها أن تدرك تماماً أن الولاية في القدس الشرقية هي ولاية هاشمية وإن أي إجراء اسرائيلي بحقها هو إجراء باطل ومرفوض شكلاً ومضموناً ومنعدمة الأثر استناداً إلى الوضع القانوني للمدينة ووفقاً لقرارات الأمم المتحدة بكافة أجهزتها ومكوناتها باعتبارها مدينة واقعة تحت الاحتلال وستبقى كذلك إلى حين إعلانها عاصمة لدولة فلسطين.
ويعد موقف المملكة الأردنية الهاشمية من قضية فلسطين من الثوابت الرئيسية لسياسة الدولة، وفي عهد جلالة الملك المعزز عبد الله الثاني ابن الحسين قدمت المملكة شتى أنواع الدعم السياسي المستمر لنصرة القضية الفلسطينية، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتحقيق تطلعاته لبناء دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس، وقد تبنت المملكة بقيادة جلالة الملك جميع القرارات الصادرة من المنظمات والهيئات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وشاركت في العديد من المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بحل القضية الفلسطينية ابتداء من مؤتمر مدريد وانتهاءً بخارطة الطريق ومبادرة السلام العربية، كما تمسك الأردن بقيادة جلالته بمبدأ حل الدولتين الذي رأى فيه جلالته حلاً تقبل به جميع أطراف النزاع ويضمن العيش لأطرافه بأمن وسلام.
ويمكننا القول بهذه المناسبة بأن الدعم الذي قدمه جلالة الملك قد ظهر في ثلاثة أشكال؛ أولها الدعم السياسي الذي تجلى من خلال توظيف جلالته المناسبات واللقاءات والمنتديات والمؤتمرات الدولية والعربية والإسلامية والوطنية لشرح القضية الفلسطينية وإيضاح حق الشعب الفلسطيني المسلوب ومساندتهم في إقامة الدولة المستقلة وسعيه الدؤوب والمستمر في تقديم المبادرات والمقترحات التي تكون مقبولة لأطراف النزاع لحل القضية، أضف إلى ذلك ثاني أنواع هذا الدعم وهو الدعم المادي، وثالثها ما يتصل بالقدس وبالذات المسجد الأقصى من عمارة تؤكد الهوية الإسلامية لها وأهمية هذه المدينة لدى المسلمين.
قصارى القول إن موقف الأردن واتصالات جلالة الملك بشأن رفع الظلم عن باب الرحمة هو نفس الموقف الراسخ من كل محاولات إسرائيل للنيل من معالم القدس كالمواقف من قرار الإدارة الأمريكية بنقل السفارة للقدس وغيرها وهو ما يعيد إلى أذهاننا قول جلالته خلال لقائه عددا من الشخصيات المقدسية في آب من العام 2012 » إننا لن ندخر جهداً من أجل حماية وصيانة المقدسات الإسلامية والمسيحية وسندعم صمود أهل القدس المرابطين والسدنة الحقيقيين لمساجد القدس وكنائسها». لافتا جلالته في ذات الوقت إلى أنه لا يمكن قبول استمرار إجراءات التهجير القسري للسكان العرب المسلمين والمسيحيين من المدينة المقدسة».