فيما يُعلَن «فجأة» عن «هُدنة» تم التوصّل اليها بين ميليشيات قسد الكردية وبقايا تنظيم داعش في الجيب الأخير المُحاصَر فيه، وتتواتر أنباء عن صفقة أميركية مع داعش,يتِم بموجبها تسليم «التنظيم» كُل ما يتوفّر عليه من أموال وسلاح ومعلومات ومُعتَقلين وخصوصا المُقاتلين من جنسيات أجنبية, مقابل قيام المُحتلّ الاميركي بتوفير ملاذ آمن لقادته وكوادِره, بهدف توزيعهم على جبهات اخرى قد تكون افغانستان ودول آسيا الوسطى الإسلامية وربما الحدود الصينية.نقول: في خِضم الاحداث المُتلاحقة على تلك «الجبهة» المفتوحة على احتمالات وتطورات غير مُتوقّعة، يأتي كشف السناتور الأميركي ليندسي غراهام، أمام مؤتمر ميونيخ الذي انتهى لِلتوّ, عن نية الرئيس الأميركي لِطلب إرسال قوة عسكرية «أُوروبية» الى سوريا, لاجل إنشاء منطقة عازلة في شمال سوريا. مُتعهداً الإبقاء على عدد من الجنود الاميركيين للغرض نفسه. واصِفا غراهام خطوة ترمب بانها» تندرج في إطار «استراتيجية ما بعد داعش» في سوريا. الامر الذي يُؤشّر الى ان فصلا جديدا غامِضا من عبث الاحتلال الاميركي في سوريا...سيبدأ, وهو يروم ضمن امور أُخرى عرقلة كل محاولات تكريس حل سياسي للأزمة السورية, وبخاصة بعد الإنتهاء من تشكيل اللجنة الدستورية وبروز مُؤشرات على حماسة يُبديها المبعوث الدولي الجديد بيدرسون لبدء عملها, وِفق آليات ومُقاربات تتجاوز حقبة سلفِه ديمستورا الذي كان مُنحازاً, ما أَوصل مهمته الى طريق مسدود وانتهى به الى الفشل والإستقالة.
المثير في الخطوات الاميركية التي يشوبها الإرتباك بعد رفض الدول الأُوروبية دعوته لاستقبال ومحاكَمة حاملي جنسياتها من مقاتلي داعش الذين استلموا أو سُلّموا لقسد..رغم تهديده بـ"اطلاقهم»، هو تزامنها مع انتهاء قمة سوتشي الثلاثية, والقرارات اللافتة التي اتخذتّها, وبخاصة إعلان الرئيس التركي بانه «لا يُوجد مانع لتنفيذ أي عمل عسكري في ادلب. وأن انقرة مُستعدة لتنفيذ عملية عسكرية مشتركة هناك, اغلب الظن ــ أضاف ــ ستكون عملية تُركية، ايرانية روسية». ما يعني ان واشنطن ربما تكون لمَسَت ان حليفها الاطلسي (التركي) اضطّر او أُرغم على وقف لعبة شراء الوقت التي استمر بها منذ السابع عشر من ايلول, محاولاً التهرّب من التزامات اتفاق سوتشي, الخاص بإقامة منطقة منزوعة السلاح في ادلب وتجريد هيئة تحرير الشام/النصرة من سلاحها.
واذ عاد اردوغان لأُسلوبه المعتاد في اختراع المُبرّرات والأعذار وإطلاق بالونات الإختبار, فانه في الوقت الذي أعلَن فيه عن «عدم ممانعته» لعملية عسكرية مُشترَكة في ادلب, قام بـمحاولة «إحياء» مسار جنيف عندما قال: نحن «لا» نعتبر عملية أستانا بديلا عن جنيف, رغم فشل عملية جنيف(..). وفي ذلك اشارة لا تخفى, على ان الرجل يُناوِر ويسعى الى احياء ورقة مُحروقة، قد تكون تجاوزتها الأحداث ليس فقط بعد القرار 2254 , ولكن ايضا بعد ان انهارت خِططه لاجتياح منبج وشرق الفرات».
صحيح ان قمة سوتشي كانت حاسِمة في شأن ضرورة اتخاذ اجراءات مُشدّدة لضبط الاوضاع في ادلب, والتصدّي بفعالية لمحاولات هيئة تحرير الشام الإرهابية فرض سيطرتها على منطقة خفض التصعيد، الى جانب اتخاذ خطوات ملموسة للحدّ من الانتهاكات في المنطقة منزوعة السلاح, من خلال التنفيذ الكامل للإتفاقات المُتعلقة بادلب، الا إنها ايضا تبدو وكأنها مَنحت الجانب التركي «فرصة أُخرى» لتنفيذ التزاماته, عندما أشارَت في بيانها الى «أهمية وضرورة ان يتم تنفيذ مذكرة التفاهُم المُوقّعة في ايلول الماضي(بين بوتين واردوغان في سوتشي). كذلك ثمة إشارة مهمة رأى فيها المراقبون نجاحا للرئيس الروسي, عندما جاء في بيان القمة «أهمية تنسيق الأنشطة لضمان الامن والاستقرار في شمال سوريا, وبما يتضمّن الاتفاقيات القائمة. إشارة الى اتفاق أضنة الذي كان بوتين دعا الى اعتماده لحل الخلافات بين دمشق وانقرة. وبالتأكيد كانت مسألة التركيز على التزام «ثلاثي» استانا..وحدة واستقلال سوريا, «إلزاماً» من موسكو وطهران لأنقرة وتذكيرها عدم «الحلم» بأن المنطقة الآمنة (بما هي اقتراح تركي قديم تبنّاه الاميركيون وسعوا اليه) سيكون مسموحا بها او قبولها.
خلاصة القول ثمة مرحلة جديدة تبدو الازمة السورية مُرشّحة لعبورها، وبخاصة ان المحتل الاميركي بعد فشله الذريع في الخروج بنتائج ملموسة في مؤتمر وارسو، يسعى الى خلط الأوراق وإفشال عمل اللجنة الدستورية قبل ان يبدأ, وقد تكون نتائج زيارة نتنياهو الوشيكة لموسكو, إشارة لما قد يَحدث أو يستعد لعملِه الحِلف الصهيوأميركي، وخصوصاً منح الأولوية لتمرير صفقة القرن بعد ان أٌنضجت عملية التطبيع العربي المُعلَن مع إسرائيل في وارسو.