كنت أكره الرياضيات , لأن الأستاذ ..كثيرا ما كتب المسائل على اللوح وحين كان يبدأ ..كان للطبشورة صرير غريب , يجعلني أشعر بالقشعريرة للدرجة التي تصطك أسناني فيها , وأذوب مثل الشمع .
كان بودي أن أقول للأستاذ : يكفي , لقد أوجعتني ..كان بودي أن أصرخ به لكني لم أجرؤ على ذلك , كون الصفعة ستكون جاهزة ...
أمضيت المرحلة الإبتدائية من عمري وأنا أشعر بالقشعريرة , وحين أعود من المدرسة , اتلعثم بالحديث وأحيانا حتى الطعام ..يعاند ريقي , وتبقى القشعريرة ملازمة لي وصوت صرير الطبشور يغتال أذني .
كنت أحب أستاذ التاريخ فقط , فهو لا يكتب على اللوح أبدا ولا يستعمل الطبشور , هو يقرأ من الكتاب ويتحدث ,وكانت الحصة الوحيدة التي لا أشعر فيها بالقشعريرة ...وأحس أنها المساحة الوحيدة من الوقت التي لا يوجد فيها معاناة .
ظن بعض الطلبة أني مريض , وأستاذ الدين قال عني : (هبيلة) ..وأستاذ اخر وصفني بالنعسان ..وأنا كنت طفلا , لا يستطيع شرح مشكلته , ولو قلتها لهم لضحكوا علي ...وحتى أهلي خفت أن أخبرهم : أن المدرسة تشكل لي معاناة نفسية وصحية , فصوت صرير الطباشير على اللوح , كنت أحس أنه يغتالني ويفقدني تركيزي ....وصوابي .
حين أقرأ خطابات المعارضة الأردنية , أعود إلى زمن المدرسة الإبتدائية ..لأني أشعر أنها مجرد صرير للطباشير , على لوح من الباطون , ويسبب لي اصطكاك الأسنان ...وتخاف أن تبوح برأيك , لأنك إذا قلت لهم ذلك سيقولون عنك (هبيلة) تماما مثلما وصفني أستاذ الدين , وإذا شكوت للأهل سيضحكون منك ..وعليك في النهاية أن تصمت وتتكيف مع القشعريرة وتتألم ..وترضى بأن تخزن هذا الألم في قلبك .
صدقوني حتى وأنا أكتب المقال , استعدت صرير الطباشير على اللوح في الصف السادس , وها أنا أصاب بالقشعريرة ...ولا أدري هل أكمل المقال أم أقف ...
في البيانات السياسية , أسوأ الأنواع هي التي يصلك منها صرير الطباشير ولكنك تقفز عن المحتوى , وكيف تتعمق في المحتوى ؟..والصوت يغتال طبلة أذنك , يغتال الزغب على اليد ..يغتال رجفة الشفاه , وغمضة العين ...ودرجة حرارة الجسد .
يكفي فأسناننا تصطك كثيرا , والأخطر من كل ذلك ...أن الطباشير لا تنفد من المشهد .
سأتوقف هنا فقد جعلتني هذه المقالة أستعيد مشهدا مأساويا من حياتي , لم أحبه أبدا ..ولأ أرغب بتذكره .
Abdelhadi18@yahoo.com
الطباشير
11:15 17-2-2019
آخر تعديل :
الأحد