كتاب

أحماض أردنية..

في عالم النمل هنالك شيء عجيب فعندما تموت نملة فإنها تفرز حمضا يسمى (الأوليك) فينبه باقي النمل لوجود نملة ميتة فيقوم بعملية إخلائها من الموقع والتخلص من الجثة وفق طقوس غير مفهومة ولم يفسرها العلم حتى اليوم وكذلك الحال في مملكة النحل وكأن هذه العوالم تتصرف بنوع من الوعي لا الغريزة لدرجة تجعلك تقف مشدوها عما فيها من أسرار تجعل المرء يسبح الله عجبا وانبهارا..

لكن ما هو أعجب من ذلك وأشد إبهارا ليس ما يحصل في مملكة النمل او النحل الغريزية بل في مملكتنا التي يسكنها الانسان صاحب الحرية في اتخاذ القرار ويقود مؤسساتها بشر أصحاب حالة وعي لذاتهم ومحيطهم لسبب بسيط ذلك أننا قادرون على دفن الإنسان وهو حي يرزق فبدلا من قيام الشخص لدينا بإطلاق نوع من الحمض لدى وفاته فإننا نقبره حيا عندما نطلق عليه (حمض الفاسديك)!! غريبة وعجيبة هي أطباع وأنماط تفكير مجتمعنا وكيف تبني تصوراتها الذهنية سواء للصورة الفردية أو الصورة الجمعية عن الوطن فقضية الدخان مثلا كشفت الكثير من انماط التفكير السلبية في مجتمعنا ولعل المشكلة لا تكمن في هذه الأنماط بقدر ما هي موجودة في عملية التعزيز السلبي الرسمي او شبه الرسمي لها فيكفي مثلا أن يتم توجيه الإتهام لشخص معين بالفساد ليتم تصفيته واستئصاله اجتماعيا وإنسانيا وسياسيا وربما اقتصاديا، وبشكل مخالف لكل قواعد الحكمة ومنطق الإثبات في شرائع السماء والأرض والتي لم تأت عبثا بتأكيدها على قاعدة مستقرة (المتهم بريء حتى تثبت إدانته)..

عجيب أمرنا والأعجب كيف نفكر والأكثر عجباً كيف نصدر الأحكام على عباد الله بطريقة بشعة لا تخدم قضية ولا مشروع دولة ولا تؤسس لقيمة إنسانية أو قانونية صحيحة في مجتمعنا بل يترك الحبل على الغارب ليصار الى اسقاط اشخاص او مؤسسات والحكم عليهم بالإدانة المسبقة اجتماعيا واعلاميا وشعبيا وعليه فما هو دور «المحكمة» هنا في التصدي لأدلة الإثبات وتمحيصها ووزن البينة وتشكيل القناعة للوصول الى الحقيقة وإصدار الحكم المبرم باعتباره وصفا ورسما ومحتوى وعنوانا لها!؟

انظروا يا سادة يا كرام كيف انقلبت قواعد المنطق والاثبات والعدالة في مجتمعنا وكيف أصبحنا نجير عقولنا للدعاية والاعلام والاشاعات ووسائل التواصل الإجتماعي، لا لشيء سوى أننا لم نتبع كمجتمع قواعد الحكمة وآلينا على انفسنا إلا أن نسير خلف الدهماء في عمليات مسايرة للرأي العام ولو كان جاهلا احمق لا يستند لمعيار العدالة فما هو الداعي اليوم لنظام العدالة الجنائي الاردني اذا كان الانسان مدانا سلفا ومتورطا في الفساد حكما بلا محاكمة في نمطية استبدادية لا تقل فسادا وخطورة عمن نهب وأفسد وأولغ في الطعن بخواصر الوطن عندما جير مؤسساته لاغراضه الشخصية او تراخى عن القيام بواجبه..

الإصلاح لا يمكن أن يتم بهذه الطريقة التي تخلو من الحصافة والحكمة مثلما أن العدالة لا يمكن ان تتحقق بلا محاكمة من جهة اختصاص تتبع قواعد اصولية لم تستقر عليها البشرية عبثا، لكننا اليوم اصبحنا نتساءل لمن جرى تجيير عقولنا وما الهدف مثلا من نشر لائحة اتهام في أي قضية تأخذ بعدا وعمقا في الرأي العام وهل هكذا تتم الدلالة على الجدية في مكافحة الفساد وهل هكذا تتم الدعاية للإنجاز!!؟؟

بصراحة لا أدري كيف يفكر مجتمعنا وكيف هو العقل الجمعي الأردني ولمصلحة من يتم العبث فيه وتوجيهه باتجاهات تعزيز غيبوبته عن الحكمة ومنطق الأشياء فأنماط تفكير المجتمع الأردني ليست ببعيدة عن مشاكل العقل العربي الذي يحتاج الى مواجهات مضنية وشجاعة إذا أردنا فعلا تحقيق حالة نهضة نصبح فيها مساهمين في الحضارة البشرية وهنا دعونا نطرح سؤالا أتحدى ان تتم الإجابة عليه ما هي الأنتاجية من نشر لائحة الإتهام في قضية الدخان مثلا لغايات وزن المصلحة العامة باعتبارها غاية التشريع والحكم!؟

سأقول لكم.. سأجيبكم.. نعم كانت الانتاجية عالية جدا لكن باتجاه سلبي جدا من حيث تعزيز نمطية تفكير في المجتمع مفادها قلب قواعد العدل والمنطق بأن المتهم مدان بغير حكم ولو ثبتت براءته ومؤسساتنا فاسدة وقياداتها اشد فسادا مفترضا حتى بغير اتهام ولو ثبت العكس وأصبح المجتمع اتهاميا إدانيا لدرجة لا تصدق ولا تحتمل بحيث اصبح المسؤول مرعوبا وغير قادر على اتخاذ قرار ويده مرتجفه لكن ما هو أسوأ من ذلك كله ممارسة الضغط الجمعي على القضاء في تدخل ذهني ونفسي سافر ووضعه تحت الضغط لغايات الإدانة بموجب حكم لأن القول بخلاف ذلك سيجعل المحكمة نفسها موضع شك وإتهام اجتماعي ولو كانت اطهر من «حمام مكة» لا لشيء سوى أننا قبلنا بالرضوخ لنمطيات تفكير جاهلة لا بل وتماهينا معها وقمنا بتعزيزها ستوردنا الهلاك عاجلا أم آجلا..

من يعتقد أن هذا المقال متعلق بقضية الدخان أو المتهمين فعليه ان يتحسس راسه ويعيد قراءته لاكثر من مرة فهنا نحن نتحدث عن أنماط تفكير جمعية يجري استغلالها وتوظيفها في اتجاهات خاطئة جدا بحيث يتم العمل على تعزيزها بما يفضي لتفكيك الدولة في حين أن الإعلام وجهات وخزانات التفكير والتخطيط الاستراتيجي يتوجب ان تعمل على تفكيكها لا تعزيزها لكن ما يصدم الانسان ان ما يحصل هو العكس تماما مما يفيد بأن هذه الجهات إما انها غير فعالة او تعاني من نفس المشكلة الذهنية التي يراد مواجهتها.. والسؤال الآن لعلك تدرك حجم المعضلة هل الأصل في باب بيتك أن يفتح للداخل أم للخارج؟!.