الطبيب الشاب رزق مروان حداد
11:00 7-2-2019
آخر تعديل :
الخميس
غادرت دنيانا بدون موعد أو اشارة، بظرف أحرق قلوبنا جميعا لوعة وحسرة، ونحن جميعاً ندرك أن الموت أمر غير مستحب أبداً بأي توقيت وخصوصا بالنسبة لك وأنت في مقتبل العمر تبحث عن تميز يرضي جزءا من طموحك، وأدرك أنا جيدا أنك غير قادر اليوم على مناقشتي رغم أنني لم ألقاك بل رأيتك بعيون المحبين مرات ومرات، وأنني لواثق أنك لو علمت ماذا سيحصل بعد رحيلك بالأهل والأصدقاء والعزوة، لترددت بالذهاب إلى القدر حيث لفظت أنفاسك الأخيرة بعيداً عن تراب الوطن، فألهبت الأحاسيس بداخل كل منا حيث الصباح مرٌ بفمنا، تتدحرج فيه ذكريات بين زوايا العتمة وخواطر البوح، فلا الدموع تكفكف آلالام الرحيل ولا الوجع الضارب في أعماق النفس يخفف اللوعة، ودعني أذكرك بسيناريو حياتنا، أن الولادة والموت توأمان متناقضان لحياة كل منا، نُفْرِح الأهل بقدومنا للحياة شركاء مسيرة ونجفف ينابيع حياتهم بالموت والرحيل، ونجمد دمع عيونهم ودماء قلوبهم، وبين الصرخة الأولى والأخيرة محطات تسعدنا وتعلمنا، فيها الكثير من الحكم والأحداث.
يقيني أنك في البدايات ولم تجتز امتحانات الدهر والقدر فقفزت عن محطات كثيرة، وما عرفته عنك أنموذج طموحك وتفوقك وقدرتك على صنع أحداث المستقبل حيث اخترت الغربة للتخصص بجراحة الدماغ والأعصاب لتنقذ حياة مصاب بحادث مركبة وتستبدل الدور لتكون أنت الضحية نتيجة تهور سائق أرعن فاقد للقدرة على السيطرة والتحكم لم يتوقع نتيجة جريمته على شعب بأكمله، ففاجعة رحيلك أدخلت الجميع في دوامة صراع بين تصديق الخبر وأمل بحلم مزعج انتهت فصوله لتعود الى أهلك وأنت الأمل والسند وتعود الينا زميلا مكرما عزيزا نحن بأمس الحاجة اليه، ولكن امهلني لحظة لسؤال فهل تدرك أيها الطبيب الشاب رزق كيف انحسر المدد وانطفأ سراج العمر؟ قاسية لحظات الوداع والفراق، التي تُسجّلْ وتُخْتَزَنْ في القلب والذاكرة، فكم شعرنا بالحزن وفداحة الخسارة والفجيعة، واختنقنا بالدموع، حتى رب السماء أوقف غيثه بمراسم دفنك ونحن نودعك بحفل رهيب بعد أن كنا على موعد لزواجك، ففصول مسيرة العطاء عريضة، ومشوار حياتك في مهنة الطب بحب وإخلاص نقلك بمنطاد للبحث عن كنوز المعرفة حتى جاء خبر رحيلك وجعلتنا نتذكر سيرتك المثالية، طموحك غير المتناهي، روحك النقية، وأنت ميراث من القيم والمثل النبيلة.
عندما بادرت بكتابة هذا الرثاء، احتارت حروفي وكلماتي وارتديت ثوب الخوف والحزن بعد أن توشحت بالسواد، تجمدت العماني، فمن أين أبدأ وأنت مفرد بصيغة الجمع، اندغمت فيك المتناقضات، حيث جمعت الرقة والصلابة، العناد والدماثة، العذوبة والجزالة، الشفافية والقوة، المغامرة والحصاد، فتلونت شخصيتك وتنوعت حياتك، تنتقل فيها من محطة إلى أخرى بين مدارج الأحلام والسعادة وهي ذات قوام واحد؛ الصبر والثبات، الصمود والتحدي، العزم والعزيمة، الارادة والحق، فكم هي قاسية لحظات الوداع والفراق حيث غادرتنا والتي تسجل وتختزن في القلب والذاكرة فجففتت دموعنا، وقزّمت أمانينا، وجمّدت حالنا لدهور العمر، فكتبنا اليك كلمات رثاء أوجعتنا وأنزفت الجراح في القلوب، وسطرنا من حروف حزينة باكية أمنيات بضرب الخيال والأمل، لنحفر على بُردى العمر أيقونة أنت عنوانها ومحتواها بكل تفاصيل مشوارك الذي انتهى فجأة ليكون عبرة ومرجع. الولادة تعطينا السعادة والحياة والموت يسلبنا، ولكن لا خيار لنا حيث إرادة الله لأننا نؤمن أنك انتقلت للفردوس الأعلى بحكم القدر، ولكنني أجد نفسي مضظراً لاعادة السؤال مرات ومرات على أمل إجابة شافية فهل تعلم أيها الطبيب الشاب رزق وأنت في مقتبل عمرك المهني كيف كان وقع رحيلك على الأهل والعزوة؟ فالإنسان عندما يودِّع مسافراً فإنه يعيشُ على أمل اللقاء به ولو بعد حين، أما عندما يُودِع إنساناً تحت أطباق الثرى, فإنه لا أملَ له في لقائه بهذه الدنيا, واقع جعل من كاس الفراق مرُّ المذاق، وعند الفراق يختلف سلوك المحبين بالوداع بنحيب وعويل حيث تتحول بجزئية مهمة إلى مراثٍ حزينة، وسِفرها قلبٌ مُضنى, وقافيتُها اللوعة والأسى, وبحرُها من فيضانات الدموع وبحورِ العبرات والحسراتِ.
فهناك من يعرفك بتِرْب الطفولة وسمير الوحدة حيث هو ظلك في مراتع الصبا والشباب والملونة بالضحكات البريئة والعيش الرغيد بقلوب لا يُكدّر صفوها لأنها قلوب صافية. سوف تجبر الجميع للعيش على فهرس الذكريات، لأنك تركت بصمات في كل ركن من أركان المنزل، فهناك خلود في زوايا المدرسة والجامعة، بين فكاهة ترويها أو تفوق بتحدي، حتى ابتسامتك عنوان محياك له شكل ولون وأثر مختلف، فكيف لك أن ترحل وتترك الجميع بدون استئذان، ولكن عزاؤنا أيها الطبيب الشاب أن العظماء لا يرحلون بل ينتقلون لمكان أكثر أمانا حيث يخلدون مع الملائكة والقديسين. لروحك السلام واسترح، وللوطن والعائلة العزاء، فرحيل شاب طبيب بصفاتك أنزف القلوب وأدمع العيون وخلط أوراق حياتنا ويلزمنا بإعادة ترتيب الأولويات واستخلاص العِبَرْ. رحمك الله.