كتاب

نَعم من «أصلٍ فِلسطينِيّ».. لكِنّه "مُتصَهّيِن"!

إنّه الرئيس السلفادوري المُنتَخَب للتو"ناييب بوكيلي»، أو بالعربي"نجيب أبو كيلة قطّان»،الذي ضجّت مواقع التواصل الإجتماعي وخصوصاً الفضائيّات التي ترطن بالعربية,حامِلة إلينا"بشرى"وصول هذا الشاب المُتحدِّر من أصل"فلسطيني",إلى سدة الرئاسة في السِلفادور..البلد الكاريبي الصغير الواقع بين ثلاثة بلدان كاريبِيّة هي نيكاراغوا,هندوراس وغواتيمالا،وبما تنطوي عليه هذه الحماسة الساذجة,مِن أمَل(إقرأ وَهْماً) بأن رياحاً جديدة تهب على أشرعة المشروع الوطني الفلسطيني,وخصوصاً حلم الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وبناء دولته المستقلة,على النحو الذي كان عليه – وما يزال–مُعظم وسائل الإعلام العربية التي تتعلّق بالأوهام تَغطِيَة على عجز معظم أنظمتها,عبر إضفاء القداسة ومُبالَغة في التبجيل والإحتفال بوصول سياسِي او خَدماتِيّ(رئاسة بلدية مثلا)او برلماني او مُشرِّع من أصل"عربي"الى موقع ما في بلاد الاغتراب،وبخاصة في رفع سقف التوقّعات واستعادَة لأمجاد غابِرة,يظن النافِخون في"كيرِ"تضخيمها اننا بصدد استدراك أُمورِنا واستعادة زمام المبادرة,إلى ان"نكتشِف"في النهاية انها لم تكُن سوى أضغاث احلام وسراب خادِع,على النحو الذي وجدناه في شخصيات عديدة ذات أُصول عربية وصلت الى مراتِب ومواقِع مُؤثِّر, لكنها بقيت اسيرة ارتباطاتها وافكارِها الإنتهازِية ومصالِحها الشخصية والسياسية الضيِّقة,وخصوصاً في تسديد"الفواتير",لِمَن اوصلوها الى تلك المواقِع,التي لم يكن بمقدورِهم الاقتراب منها لولا «الرِعاية"الكامِلة من أَوساط صهيونية وأُخرى استخبارية,ذات اغراض واهداف بعيدة المدى ينتظرون تحقيقها,مقابِل تأهيل هذا"الاسم"من أصلٍ عربي او أسلامِيّ.

هذا لا يعني بالطبع,ان هناك من اجتهَد وكافَح وتصَدّى واستطاع الوصول بكفاءاته وقدراته ومجمل العلاقات الافقية والعامودية,التي نسجَها في محيطه الإغترابِي على اكثر من صعيد,سياسي ومن خلال منظمات المجتمع المدني والثقافي والأكاديمي,لكنه حُورِب وطُورِد وتعرّض لحملات تشويه مُبرمَجة طالت سُمعته وتاريخَه وعائلته و"دينَه",وبالتالي آثر الإنسحاب او خسر معارِكه ودائما عانى من الخِذلان العربي الرسمِيّ والشعبي والإعلامي,على النحو الذي يعرفه سناتورات ونواب من أُصول عربية في بلاد الاغتراب,سواء في اوروبا أم الولايات المتحدة أم اميركا اللاتينية.

وليس ما تتعرّض له الآن...اول نائب في الكونغرس من أصول فلسطينية"رشيدة طليب»،من حملات تشهير وتشويه واستهداف مقصود,اضافة الى زميلتها من اصل صومالي"إلهان عمر"بما هي أَول «مُسلِمة"تدخل الكونغرس الاميركي,سوى الدليل على"النوعِيّة» من الشخصيّات التي لا تُرحِّب بوجودها الأوساط الصهيوأميركية النافِذة في تلك المجتمعات.

ما علينا..

ليس ثمة في"سيرة"وتاريخ نجيب بوكيلة قطان (ناييب بوكيلي),ابن المُهاجِر الفلسطيني من مدينة بيت لحم,ما يبعث على التفاؤل والفخرأو يشي بان الرجل مَعنِي بجذوره,اوأنه في صدد توظيف"أصلِه الفلسطيني"من اجل أهداف سياسية(خارِجية).خصوصاً عندما هبَط في مطار"اللد"قبل عام من الآن(شباط 2018),وكان يشغل رئاسة بلدية العاصمة سان سلفادور منذ العام 2015, (وبعد شهرين فقط من اعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل)بدعوة من رئيس بلدية القدس المحتلة الليكودي المتطرف (السابق)نيربركات,الذي قاد مشروع تهويد وتغيير لمعالم المدينة المحتلة, وهو واضِع أسس التلفريك او القطار الهوائي السياحي الذي سيقضي بالفعل على معالم وخصوصية القدس القديمة,تماما كما فعل عندما دشّن مشروع القطار الخفيف الذي شقّ أحياء المدينة المقدسة.وها هو الآن(القطار الخفيف)يجوب شوارع القدس المحتلة,وصولاً إلى شمالها القريب جدا من مدينتي رام الله والبيرة.

رجُلنا الفلسطيني الاصل نجيب بوكيلة قطان،التزَم حرفِيا برنامج مُضيفِيه الصهاينة,ومارَس كل طقوسهم المُزيّفة,بدءا بزيارة حائط البراق الغربي(المَبكى) مروراً بـ"جبل هيرتزل"(إقرأ جبل عين كارِم),حيث يعتبرَه العدو مَقبرَة"وطنية"يدفِن فيها جنرالاته وجنوده القتلى ورؤساء حكوماتِه مثل أشكول ورابين وشامير,وبالطبع رفات الصهيوني النمساوي ثيودور هيرتزل,وليس انتهاء بمتحف ما يسمى (ياد فاشيم)الذي يُكرّس اسطورة الهولوكست,بكل ما تعنيه تلك الطقوس من غسيل دماغ للزائر,وإبراز «اليهود"كضحايا دائمين,في تجسيد لدور تقَمّصوه منذ وجودهم (المُلتبِس) في مصر,وخروجهم في تيه امتَد لأربعة عقود على ما تقول أساطيرهم الصهيونية المُؤسّسة.

لهذا وربما بِسببه...فاز هذا"الشاب"في سباق الرئاسة السلفادورية,ولم يَسمَع أَحد منه خلال زيارته"التاريخية"للدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط,ما يُؤشِّر الى انه يُولي اهمية لقضية الشعب الذي جاء منه والده الراحل الدكتور"ارماندو(أحمد) ابو كيلة قطان"الذي تحوّل الى رجل اعمال ناجح في بلاد الاغتراب,وبنى"مسجداً» ولهذا كان يُطلَق عليه لقب إمام السلفادور,بل هو"فخامة الرئيس ناييب بوكيلي"لم يُدلِ بتصريح(مجرد تصريح)يشير الى معاناة"شعب أبيه"او يدعو,مُجرّد دعوة الى إحقاق العدالة والتزام شرعة حقوق الانسان والقانون الدولي.وهي عبارات ومصطلحات عامة,يكاد يرطن بها الفاشي العنصري نتنياهو,ولكن من منظور توراتي إحلالي كُولونيالي دأب"الرجل الأبيض"على تكرارها في كل مناسبة,فيما هو يُمارِس ارتكاباته وجرائِمه ضد كل ما هو «غير أَشقَر».

آن الأوان لأن يتخلّى عرب اليوم عن الأسطوانة المشروخة التي يديرونها بإفراط,كلما برز في المشهد الخارجي شخصية من أصول عربية او إسلامية,ويبدأون التغّني بموقعها ويبنون عليها آمالهم,تغطية لعجزهم وإبعادا للانظار عن الهزائم التي ألحقوها بشعوبهم,عبر تواطئهم مع انظمة فاقدة الشرعية وارتمائهم في حضن الصهاينة.فالذي يَصنع التاريخ ويُعيد بعض ماء الوجه لعرب اليوم,هي ساحات وميادين منطقتنا وخصوصا شعوبها.اما ذوو الأصول الفلسطينية والعربية والاسلامية,فلا يُعوّل عليهم حتى لو لم يسلك بعضهم دروب الصهينة والأمرَكة والتنكّر لجذوره وتاريخ آبائِه واجداده،كما يفعل المُتصهينون"الجدد"من عرب اليوم الآن...في منطقتنا وعبر المحيطات.

kharroub@jpf.com.jo