كتاب

«حفاة طالبان»..يهزمون الجيوش «الأميركية والأطلسيّة»

للمرء أن يتصوّر حجم الهزيمة الأميركية/الأطلسية"الثانية"في الألفية الجديدة (إذا استثنينا الهزيمة الصهيوأميركية المُدوية في عدوان تموز 2006 على لبنان),التي تجرَّعتها الولايات المتحدة, كانت الأولى في العراق التي ما يزال جرحاً نازفاً في دوائر البنتاغون وأوساط المحافظين الجدد وبخاصّة حزب الحرب في واشنطن.وتأتي الآن هزيمة موصوفة أخرى بعد سبعة عشر عاماً من حرب عدوانية أقرب إلى الإبادة,طالت كل بنى ومرافق وأسباب الحياة في أفقر دولة في العالم وهي افغانستان,لتضع تُجّار الحروب في واشنطن وبروكسل(كَمقرٍ لحلف شمال الأطلسي)أمام ساعة الحقيقة التي تقول: إنّ «للقوة حدود",وعليهم الإعتراف بها والعمل وِفق قواعدها.بل هم في واقِع الحال وبسبب من"طبيعة"وجوهر الإمبريالية العالمية,لن يتوقّفوا عن شن المزيد من الحروب.وليس ما يحدث الآن في فنزويلا(دع عنك سوريا وأُوكرانيا وفلسطين),سوى الدليل القاطع على أن هؤلاء لم ينسوا ولم يتعلّموا,ولهذا فهم يواصِلون قرع طبول الحرب على هذه الدولة الأميركية اللاتينية,التي ترفض الخضوع لإملاءات اليانكي الأميركي،فضلاً عن كونها دولة نفطية"عظمى"يسيل لها لعاب الاحتكارات الامبريالية على ثرواتها.

للمرء...إيضاً أن يقِف عند"ما تُريده"الامبراطورية الأميركية,كُليّة القوة والإمكانات والنفوذ,من حركة"طُلاّب الدين"(كما هي ترجمة"طالبان» بالعربية),مُقابِل قيامها بسحب قواتها وقوات الأطلسي من تلك البلاد التي يعمّها الخراب,بفضل الحرب الأميركية المُستمرّة عليها منذ سبعة عشر عاماً كأطول حرب تخوضها الامبراطورية الأميركية,التي لم يتعلم قادتها دروس وعبر حرب فيتنام.التي ألحقَت إذلالاً غير مسبوق للنُخب المُتغطرِسة والجَشِعة الحاكِمة والمُتحكِّمة في واشنطن,كما زلزَلت تداعياتها أركان المجتمع الأميركي,على نحو يقول الباحثون إنه لم يبرأ منها بعد.لكنها عقلية العدوان والإستكبار التي تحكم تصرفات قادة الدولة الكبرى,الرافِضة على نحو هستيري قيام نظام دولي جديد,مُتعدّد الأطراف وقائم على احترام القانون الدولي والإعتراف بمصالح الدول الأخرى المشروعة,كذلك حق الشعوب في تقرير مصيرها.

ما رشَحَ عن المفاوضات التي اجراها المبعوث الاميركي لأفغانستان زلماي خليل زاد مع وفد حركة طالبان,الذي ترأّسه المُلاّ عبدالغني برادار، وهو أحد مؤسسي طالبان,والأكثر إثارة ولفتاً للانتباه أن «المفاوض الطالباني"كان سجيناً لدى باكستان,رفضت الأخيرة تسليمه لحكومة كابول.لكن واشنطن ضغَطت عليها لإطلاقه كي يكون مُفاوِضها الرئيس,نظراً لمكانتِه وقدرته على الوفاء بتعهداته,فضلاً عن كون المباحثات الاميركية مع طالبان التي جرَت في قَطَر,كانت بمعزل عن حكومة كابول,التي رفضت طالبان الاعتراف بها أو الجلوس معها على طاولة واحدة باعتبارها"دُميَة أميرِكية».

الأنباء تقول:إن الأميركيين طرحوا مُسوّدةً"إطار عمل» قد يتحوّل إلى اتفاق إذا ما وافقَت طالبان,تنص على"تسليم السلطة في افغانستان لطالبان» تنسحب خلال «18» شهراً القوات الأميركية والأطلسية.(مُقابِل) تَعهُّد الحركة بعدم السماح لأنشطة تنظيم"القاعدة» و"داعش"وحركة انفصالية «بُلوشِية"تنشط في جنوب غرب افغانستان,من استخدام هذه المنطقة في عملياتهم ضد باكستان أو اي دولة أُخرى.

هذا ما يَطلبه الأميركيون بعد سبعة عشر عاماً من حرب ابادة لا تتوقف ضد الافغان,ودون ان تنجح القوة الأعظم في العالم بإلحاق هزيمة بـ"ميليشيات» محدودة العديد والإمكانات,ولا تملك أسلحة متقدمة او تتوفر على سلاح جو أومدرعات أودبابات أو طائرات مُسيّرة،لكنها باتت تسيطر على مُعظم ولايات ومقاطعات ذلك البلد المبتلى بالحروب والغزوات,نظراً لموقِعه الإستراتيجي الذي بات جزءاً من صراع جيوسياسي مُتصاعد,مُعقّد وطويل.بعد ان بدأت الصين والهند(دع عنك روسيا وإيران) إحتلال مكانة وازنة في المشهد الدولي, وخصوصاً بعد ظهور بوادر على ابتعاد باكستانِيّ...تدّريجِي (وان غير محسوم حتى الآن)عن الدوران في الفلك الأميركي,كما كانت حالها طوال العقود الخمسة التي تلت استقلالها اواسط القَرن الفارِط.

جدل محموم دائر الآن في الأوساط الأميركية الإعلامية والعسكرية ومراكز الأبحاث,حول جدوى مواصَلة الحرب وما إذا كانت المفاوضات مع طالبان ستُفضي إلى نتيجة يكون لحكومة كابول الحالية دور في افغانستان «الجديدة»،تعكس ضمن أمور أخرى،حجم الهزيمة التي لحقت بالولايات المتحدة,وكون سبعة عشر عاماً من حرب عبثية,أظهرَت عجزاً أميركياً واضحاً عن دحر طالبان واقامة نظام تابع فيها،ناهيك عن بروز قوى أميركية مُعارِضة لاستمرار المفاوضات مع طالبان,إلى ان تستجيب للشروط الأميركية,وبخاصة"إشراك"حكومة أشرف غني(التي تصفها طالبان بالدمية الأميركية, وتقول ان لا اعتراف بها ولا تفاوُض).

يَجدُر بعرب اليوم وخصوصاً سلطة أوسلو,التأمُّل جيداً في المشهد الأفغاني,وأهمية مغادرة مربع الرهان على والإرهان لإرادة المعسكر الصهيوأميركي,الذي لن يُقدّم لهم شيئاً في ظل تخلّيهِم ورهط أوسلو عن كل «أوراقِهم"التي أضاعوها بلا مقابل,بل بثمن فادح ما تزال تدفعه الشعوب العربية في اليمن وليبيا والعراق وسوريا,وخصوصاً الشعب الفلسطيني من لحمه الحيّ وحقوقه الوطنية والقومية المشروعة.

kharroub@jpf.com.jo