مر علينا فصل شتاء قارص بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأنا بطبعي أكره البرد، وأكره الإنفلونزا، وأكره الرشح والحكومات..
ما كنت أفتقدته، في هذا الشتاء، هو: صوت أمي كلما خرجت من المنزل وهي تصرخ علي بالكركية الفصحى: (غطي ثمك ياولد).. وأحيانا (غطي وجهك لا تلتفح).. وبعد (18) عاما على غيابها، ما زلت كلما أخرج يداهمني صوتها عند الباب، وأدير وجهي ثم أغادر.
أنا فمي مغلق يا أم عبدالله، منذ أن أوصيتني.. وهو مغلق في وجه الريح ولكن شتاء هذا العام، لم يرحمني بل جاء إلي بكل الأمراض: (رشح، انفلونزا لوز، التهاب قصبات).. وكل يوم أعاتب الأيام، وأفتقد وصفاتك في الرشح والإنفلونزا الحادة التي لم يكن يصلح معها الدواء.. سوى وصفة كنت تعتقدين أنها الشافية، وهي: قراءة ما تيسر من سور القران.. وأنا كنت استمع للقراءة الهادئة من صوتك الحنون، وأصحح لك.. في بعض الايات، ومع ذلك كنت مؤمنا بأن تقوى الأمهات وحدها من تستقيم عليها اللغة ويستقيم الرضى والخشوع والحب أكثر من كل معرفتنا بالنحو.
أتعبتني الإنفلونزا يا أمي، والرشح أتعبني.. تعالي ولو بالحلم وخاطبيني كما كنت تفعلين قبل سنين: (غطي ثمك يمه)... بالحلم وحده ولا أطلب أكثر من الحلم..
اتعبتني الإنفلونزا والأيام، وأتعبني البرد كثيرا.. والباب أتعبني أيضا، فلم يعد خلفه حب معتق.. ولم يعد خلفه شيب مثل أقمار العراق حين تطل على دجلة، ولم يعد خلفه امرأة.. هي أمي ووطني والعروبة من أول طلقة حتى اخر فدائي..
وها أنا يا أم عبدالله قد أغلقت فمي، غطيته بدمي.. وتبغي وحرفي والأيام.. هذا زمن، حتى البرد استقوى علينا فيه، وحتى الباب.. كل شيء صار يستقوي علينا.. والحكومات يا أمي صارت هي الأخرى تشبه الإنفلونزا..
تعالي لو بالحلم مرة واقرأي على رأسي القران، وناديني بصوتك الحنون (غطي ثمك يمه الدنيا برد بره)..
Abdelhadi18@yahoo.com
أمي
11:00 30-1-2019
آخر تعديل :
الأربعاء