على شريط الزمن نعود إلى مثل هذه الفترة قبل عشرين عاماً، وفي مثل هذه الأيام نودي بالأمير - آنذاك - عبدالله ابن الحسين وليّاً للعهد في فترة كانت الحالة الصحية للملك الراحل الحسين بن طلال طيّب الله ثراه قد ازدادت تعقيداً، والحزن والقلق قد خيّم علينا جميعاً كأردنيين، إلّا أن همّنا وقلقنا لا يذكر بالنسبة إلى همِّ شاب نُقلت إليه أمانة كبيرة وفي ظروف صعبة للغاية. وما هي حتّى أيام وقد غادرنا الملك الباني إلى جوار ربه، ونودي بجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين ملكاً للملكة الأردنية الهاشمية، بالرغم من شدّة الحزن إلّا أن الملك كان يعي تماماً أنّ المسؤولية تتطلب العمل من أول لحظة، فالأردن بحاجة لقائد فذّ يحمي مصالحه ويملأ فراغاً تركه راحل عظيم.
وبينما العيون تترقّب، والكلام يكثر عمّا سيكون شكل الأردن بالمستقبل، كان الملك يرتّب الأولويات الداخلية والخارجية للمملكة، وقد بدأ العمل على الحفاظ على مصالح الأردن ودعمها فوراً وبزمن قياسي وتكتيك فاق قدرات مخضرمي السياسة والدبلوماسية. نتحدّث عن فترة عمل غير عادية أتشرّف أن كنت فيها ضمن فريق عمل كبير من رجالات الأردن وقياداته الأوفياء. من خطّة الملك الشاملة كان أن يزور كثيرا من الدول الصديقة حول العالم، وبشهادتي عن هذه الرحلات فقد كانت من الزخم ما لا لم يفعله أحد قبل ولم نتخيّله حتّى نحن المرافقين له بهذه الرحلة، فعامل الزمن كان وكأننا بسباق، وعامل التقصير أو الخطأ ليس له وجود، وعلى الجميع المسؤولين أن يقوموا بواجبهم وأن يكونوا جاهزين تماماً لإجتماعات مع دول مختلفة ومؤسساتها في أرضها، وبظرف وصل إلى حدّ الساعات بين دولة وأخرى. نعم ليس هناك مجال للراحة! ولكن النتيجة كانت أن اطمأنت هذه الدول كافة على سلامة مصالحها مع الأردن في عهده الجديد، ووصلت الرسالة بأن المملكة في واعية أمينة.
وبنفس الوتيرة تماماً كان العمل في الداخل، وكانت السمة الأساسية أن هذا الملك إن كلّف لا ينسى، وإن وعد نفّذ، يتابع دون كلل وبأسلوب إداري فريد، لا سيّما عندما نتحدّث عن إدراكه لشتّى التفاصيل. كانت أولى أولويات سيدنا على الصعيد الداخلي الإهتمام بالشباب، فهو مدرك لأهمية هذا القطاع وأن الإهتمام به هو المفتاح للأردن الذي نريد. وبالفعل لم يتوان جلالته عن دعم الشباب فبعد تكليفه لي بحمل حقيبة الشباب وعلى مدى سنوات لم يتوان بتوفير كافة سبل الدعم، حتّى أنني أذكر موقفاً حصل أثناء مرافقتنا له بإحدى الجولات الأوروبية وعلى متن الطائرة لمح نقاشاً بيني وبين وزير المالية آنذاك، وكنت أحدّثه عن عجز موازنة الوزارة فقال جلالته مازحاً «ماله عليك ميشيل؟ -معالي ميشيل مارتو-»، حينها قلت له «والله يا سيدي بقنعه يرفع مخصصات الشباب والرياضة، وهو جاوبني بأن الميزانية لا تسمح»، فتدّخل سيدنا وقال لمعالي ميشيل «أنا مع الشباب ادعمهم ولا تتردد وإذا ما تم دعمهم أنا أدعمهم، الشباب على سلّم أولوياتنا الوطنية»، فشكرته أنا وبالفعل تم الدعم كما أمر تماماً، واستمر الدعم وتبنّى بعدها جلالته مبادرة عرضتها عليه عن طريق إيجاز عن خطة الإستراتيجية الوطنية للشباب بحضور رئيس الوزراء ووزير المالية، فاستمر العمل وبجهود أوصلت الليل بالنهار من فريق المجلس الأعلى للشباب آن ذاك تمكّنا وبدعم مباشر جدّاً من جلالته أن نطلق الإستراتيجية الوطنية للشباب بحضوره ورعايته الساميّة. بدعم جلالته للشباب تم تأسيس الصندوق الوطني لدعم الحركة الشبابية والرياضية الذي وفّر مصدراً لدعم موازنة رعاية الشباب وبناء والإستراتيجية الوطنية للشباب. وتم أيضاً تأسيس البرلمانات الشبابية لتفعيل دور الشباب بمجتمعاتهم المحليّة وتجهيزهم للحياة السياسية، عدا عن إحداث نقلة نوعية بالتجهيزات والمرافق الخاصة بخدمة الشباب كمّاً ونوعاً مع التركيز على دعم الشباب في المحافظات ودون إنحياز لشباب العاصمة أو مراكز المدن.
الحديث يطول، عقدان من الزمان، والذكريات تكاد لا تحصى، أمّا عن الإنجازات فهي مدعاة للفخر لكلّ أردني شريف، وجمرة لا يحتمل حرّها كلّ حقودٍ لئيم. معك في هذه المسيرة سيدي وعزيمتنا من عزيمتك، نسير على ثقة خطاك باتجاه أردن التنمية المستدامة. كل عام وجلالة سيدنا بألف خير.