كتاب

تَوتّر مُتصاعِد بين موسكو وأنقرة.. أردوغان مُصرّ على غزوِ شرق الفرات

لم يعد بإمكان موسكو إخفاء غضبها المتصاعد إزاء سيناريو الإستفزاز الذي ينتهجه الرئيس التركي،عبر إصرارِه على تنفيذ ما كان وضَعه من خِطط,تنطوي على أطماع عثمانية قديمة في الأراضي السورية.لم تكن وليدة الساعة بل لم تتَخلّ عنها أي «إدارة» تركية منذ قيام جمهورية أتاتورك،ومِن بعده كل الساسة والأحزاب التركية يمينها واليسار،بمن فيهم «الإسلامَوِيون"الذين وصلوا"مبكراً"إلى الحكم وعلى رأسهم عدنان مندريس,الذي أطاحه الجنرالات ثم قاموا بإعدامه,وواصلوا – العسكر – إحكام قبضتهم على الحكومات المتعاقِبة,بزعم انهم الساهرون على إرث أتاتورك وجمهوريته العلمانية.ولم تتغير الأطماع العثمانية مع وصول حزب العدالة والتنمية (الفرع التركي من جماعة الاخوان المسلمين)إلى السلطة بل تفاقَمَت,وبخاصة ان اتفاقية أضَنَة(1998)التي وُقِّعت بين دمشق وأنقرة في عهد سليمان ديميريل رئيساً للجمهورية ومسعود يلماظ رئيساً للوزراء,كانت أدّت الغرَض الأساس من توقيعها بدخول علاقات سوريا وتركيا عهداً جديداً,بدا وكأنه سيَمتَد ويتجذّر لكن اردوغان"وفاءً"منه لسياسات أجداده السلاجقة والعثمانيين,اغتنم"الفرصة"التي اتاحها له"إخوانه"في جماعة الاخوان المسلمين السورِية والمتواطئين معها داخل الأراضي السورية وخارجها وبدعم السفارات الأجنبية وبعض العواصم العربية,فسارع الى فتح حدود بلاده التي يُفترَض ان اتفاقية أضنة تضبِطها وتحول دون تحوّلِها إلى نقطة عبور للإرهابيين والقتلة،وكل ما حصل بعد ذلك– وما يزال– بات معروفاً للجميع.

عودة إلى مشهد العلاقات الروسِية–التركِية.

الهدوء والكياسة وضبط النفس وأحياناً التنازلات المحسوبَة الذي تُبديه الدبلوماسية الروسية,والتي يشرف عليها بل يقودها الرئيس بوتين شخصياً إزاء المراوغة وعدم الثبات على المواقف أو الوفاء بالعهود التي يقطعها الرئيس التركي,ولعِبِه المتواصل على حبل التناقُض الصارخ بين الموقفين الروسي والأميركي...بات في خطر,بعد اصرار اردوغان على التهرّب من كل التزاماته وتجاهله تحذيرات موسكو,التي يتم معظمها خلف الأبواب المُغلَقة.وجاء إعلان الإنسحاب الأميركي من سوريا(وهو انسحاب لا مؤشرات ميدانية على انه في صدد الإنجاز رغم كل ما يُقال),حتى اتضحت نِيّات اردوغان المُبيّتة,وبخاصة ان علاقاته مع حليفته الأطلسية/واشنطن في أبهى تجليّاتها,ولم يعد ثمة ما يُعكّر صَفوها،بعد أن غادر الطرفان مربع التوتّر الذي شابها إثر الحكم بسجن القِس الأميركي برانسون وخصوصاً أن أردوغان أصيب بالهلع بعد تلويح ترمب بفرض عقوبات على انقرة وبعد انهيار سعر صرف الليرة التركية,فقام بإطلاق القس وتم رفع العقوبات عن شخصيات رفيعة في حكومة أردوغان.وجاء «إعلان"الإنسحاب المزعوم مكافأة أميركية للرئيس التركي،وإن كانت واشنطن عادت للمساوَمة على ورقة كرد سوريا,التي ستتركهم لمصيرهم في النهاية(كعادتها مع عملائها انظمة وتنظيمات).

لم تنجح قمة بوتين – أردوغان الأخيرة (23/1) في جسر الهوّة بين موقفي البلدين إزاء ما يحدث في سوريا,حتى بعد أن"أعاد"الرئيس بوتين «الروح"لاتفاقية أضنة,التي أدار أردوغان ظهره لها,بل تصرّف وكأنها غير موجودة أصلاً,وانخرط وكان رأس الحربة في الحرب الكونية على سوريا،ومضى يتحدّث عن"المنطقة الآمنة"التي وَعَده حليفه الأطلسي ترمب بها،وكأنها أرض آبائه وأجداده.مُتجاهِلاً ومُتنكّرا(أردوغان) لالتزاماته في إدلب.التي واظَب بوتين تذكيره بها وتمديد المهلة الممنوحة له,منذ اتفاق سوتشي في 17 أيلول الماضي لتطهير المنطقة منزوعة السلاح من الإرهابيين،الذين حظَوّا بدل ذلك من الرئيس التركي وقوات جيشه الغازية,بالرعاية والدعم حدود التواطؤ لتمكين هيئة تحرير الشام/جبهة النصرة السيطرة على أكثر من 80% من مساحة المحافظة,مُعلِنَة(النصرة) دعمها للجيش التركي واستعدادها المشارَكة في غزوته المُتوقّعة لمنطقة شرق الفرات.

هنا علينا التدقيق جيداً في المواقِف"الجديدة"التي تستبطِن غضباً روسيّاً,يشي بأن صبر موسكو يوشِك على النفاد إزاء سياسات الرئيس التركي,عندما يقول رئيس الدبلوماسية الروسية سيرغي لافروف قبل يومين:يجب عدم إعطاء أي قضية أولوية على حساب القضايا الأخرى,فكل القضايا – يُضيف لافروف– مُهمة الآن في سوريا,وبالتوازي يجب تدمير البُؤر الإرهابية وعدم السماح لمشكلات الأمن على الحدوث,وتمهيد الظروف لعودة اللاجئين واتمام تشكيل اللجنة الدستورية,وبدء عملها بمساعدة الدول الضامنة في عملية استانا.. مشدداً في الوقت نفسه انه «لا يمكن السماح باستمرار وجود بؤر إرهابية في إدلب».لافتا إلى انه سيكون على أنقرة أن «تتفاوض على هذا الأمر(اتفاقية أضنة) مع دمشق، ومع ضمان أقل درجة ممكنة من التدخل الخارجي.

في الوقت نفسه..خرج الناطق باسم الكرملين بيسكوف(الذي لا ينطق عن الهوى) ليقول في وضوح (يُحسَد عليه):عمليات تركيا داخل الأراضي السورية وفقاً لاتفاقية اضنة الموقعة مع دمشق عام 1998 يجب ألاّ تؤدي لظهور كيانات إقليمية مُنفصِلة في المناطق الحدودية,وألاّ تنتهِك وِحدة سوريا.ويجب ان تُراعي (وبصراحة) سلامة ووحدة التراب الوطني في هذا البلد».

فهل ثمّة شكوك بأنّ موسكو في صدّد اتخاذ موقف حازم وحاسم,بعد أن لم يعد بمقدورها تجاهل ما يروم اليه الرئيس التركي,لتكريس احتلاله المزيد من الأراضي السورية,بعد غَزوَتي درع الفرات وغصن الزيتون,عِلماً أنهما حظِيتا بضوء أخضر روسي,ثم بمواصلته المُراوغة في شأن تطهير إدلب من الإرهابيين،ودائماً إصراره المضي قدماً بخطته لغزو شرقي الفرات(التي يريد منها إيجاد روابط جغرافِية بين المناطق السورية التي يحتلها الآن,وتلك التي يسعى لاحتلالها في شمال العراق لتكريس خط حمص – الموصل,الذي يراه العثمانيون الجُدّد,حدود"أراضيهِم"التي خسروها بعد انهيار الدولة العثمانية).

قد يتبلور الموقف الروسي على نحو"نهائي"منتصف الشهر الوشيك,عند انعقاد قمة الثلاثي الضامن الروسي التركي الإيراني,وربما قبل ذلك إذا ما حدث تطور مفاجئ,يُجبِر الجميع على إشهار مواقفهم الحقيقية,بهدف التأسيس لقواعد جديدة,في التعاطي مع مستجدات الأزمة السورية.

...الانتظار لن يَطول.

kharroub@jpf.com.jo