كتاب

الفوضى الخلاقة في كاراكاس

عندما تعبر بوابة البيت الأبيض وتدخل إلى الحديقة الأمامية المؤدية الى مبنى مكتب الرئيس الأميركي تشاهد إلى اليسار عددا من أشجار البلوط المعمرة تتقافز على اغصانها السناجب بأمان، وترى امام الباب جنديا بكامل قيافته ووسامته مهمته فتح الباب واغلاقه باحترافية تقليدية. اما بالنسبة للحديقة الخلفية للبيت الأبيض فهي بلا حدود لأن الادارات الأميركية المتعاقبة تعتقد أن اميركا اللاتينية هي حديقتها الخلفية الواسعة تعيد ترتيبها متى شاءت، وتنهب ثرواتها كما تشتهي، وتتعامل معها كجمهوريات موز ومزارع انانس وفراولة.

الثابت تاريخيا أن واشنطن دعمت حكم الجنرالات في أكثر من دولة لاتينية وفي أكثر من عهد، فهي لا تطيق وجود دولة حرة مستقلة في اميركا اللاتينية، أو نظاما اشتراكيا معارضا للرأسمالية الأميركية المتوحشة. صفحات التاريخ حافلة بالتجارب المرة المتمثلة بسلسلة من الاغتيالات والانقلابات حدثت ضد السلطات الشرعية في أميركا اللاتينية بدعم وتمويل وتحريض من واشنطن، وقد اكتفي بالتذكير ببعض حوادث هذا السلوك الاستعماري الموشح بالهيمنة الاقتصادية والسياسية، والتحكم بالسلطات ومصادرة قراراتها السيادية.

بداية يجب التذكير بالانقلاب على الحكم الشرعي في تشيلي وقتل الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور الليندي وتنصيب ودعم سلطة الجنرال الديكتاتور بينوشيت في العام 1973. وبعدها، في العام 1981 تم اغتيال رئيس الاكوادور جيمي رولدوس باحراق طائرته، وفي العام نفسه تم اغتيال رئيس بنما اليساري عمر توريخيس بحادث تحطم طائرة مدبر.

اما الزعيم الراحل كاسترو فقد نجا من محاولات الاغتيال عشرات المرات بعد فشل عملية غزو خليج الخنازير في العام 1961، وبهذه المناسبة يجب أن لا ننسى المتاعب التي واجهها، ولا يزال، الرئيس البرازيلي اليساري لولا دا سيلفا الذي انقذ البرازيل من الافلاس وبنى اقتصاداً قويا منافسا، حيث حركت واشنطن المعارضة اليمينية ضده، وضد النظام اليساري من بعده، حتى اوصلت اليمين الى السلطة والتبعية معا، وقبل ذلك تم تطبيق هذا السيناريو في نيكاراغوا حيث انهت واشنطن الحكم الاشتراكي باسقاط الرئيس اورتيغا اليساري بدعم وتمويل التمرد اليميني في العام 1989 ولكن اورتيغا عاد الى الحكم باصوات شعبه وبانتخابات ديمقراطية.

نتحدث عن مراحل وانعطافات تاريخية في اميركا اللاتينية كي نصل الى الحاضر, وبالذات الى ما يحدث من تطورات في فنزويلا. بعدما فشلت سلسلة من عمليات الاغتيال ضد الرئيس مادورو وقبله الرئيس الراحل هوغو شافيز، وفشلت كل الانقلابات العسكرية في العهدين، ارادت واشنطن تجربة السيناريو الذي طبقته في نيكاراغوا والبرازيل، عبر تحريض وتحريك الشارع اليميني الذي يحلم بالتبعية للولايات المتحدة لاعتقادهم الواهم أن السماء ستمطر دولارات.

الثابت أن الرئيس مادورو فاز بانتخابات ديمقراطية رغم النكران الأميركي والنفاق الاوروبي، ولكن الرئيس ترمب اليميني المتشدد، اراد صرف النظار عن مشكلاته الداخلية، وتصدير الازمة الى فنزويلا، ليس لأن النظام في كراكاس يساري اشتراكي فحسب، بل لأن الرئيس ترمب يريد امتلاك نفط البلاد والتحكم بتوزيعه، لأن فنزويلا تأتي في المرتبة الثالثة بعد السعودية وايران في تصدير النفط وهي تمتلك (5،7 بالمئة) من الاحتياطيات العالمية، اضافة الى موقف القيادة الفنزويلية السياسي الثابت المعادي لإسرائيل، وتأييدها المطلق لقضية الشعب الفلسطيني والقضايا العربية، وهي الاسباب التي ادت الى غزو العراق في العام 2003.

اخيراً اقول إن التدخل الأميركي في الشأن الداخلي في فنزويلا، وفرض العقوبات والحصار الاقتصادي، والتحريض على الرئيس الشرعي المنتخب سيجر البلاد الى حرب اهلية دامية من خلال الفوضى الخلاقة الأميركية الصنع، اضافة الى احداث انقسام في النظام العالمي واعادة اجواء التوتر الى العلاقات الدولية، وهذا يذكرني بقول غاندي: «الغضب والتعصب في مقدمة أعداء الفهم الصحيح».. والحقيقة أن الرئيس الأميركي يملك الصفتين معا.

m.yousefkawash@gmail.com