اسألوا عن دور أميركا دائماً.. كلّما اقترَب أيّ بلد في العالم,مِن الدخول في دائرة عدم الاستقرار والانقسامات والاستقطابات الداخليّة,وصولاً إلى حافّة الحرب الأهلية أو التعرّض لغزو عسكريّ لإسقاطه ونزع الشرعيّة عنه.فالولايات المتّحدة الأميركية منذ أن برَزت في مقدمة المشهد الدوليّ,وبخاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية,وإعلانها حربًا باردة أشدّ قسوة وعدوانية على المعسكر الاشتراكي,من تلك التي انتهت للتوّ.لم تتوقّف عن تدبير الإنقلابات والإغتيالات, والإتيان بجنرالات ودعْم لنخب سياسية وقادة أحزاب فاسدين.وبخاصّة في قطع الطريق على كل محاولات إقرار دساتير ديمقراطية وتنظيم انتخابات حرّة وترك الشعوب تختار قياداتها, ونظام الحكم والتنمية الاقتصادية التي تُريد.وكانت واشنطن بما هي رأس الإمبريالية العالمية, وزعيمة ما يُزعَم أنّه «العالم الحرّ",الذي يعني وكما أثبتت التجارب ووقائع نصف القرن الماضي,على درجة عالية من الشراسة والعدوانِيّة المَحمولَة على نزعة عنصرية وأنانية مُفرِطة,خدمة لأصحاب رؤوس الأموال,ومصالح المجمع الصناعي العسكري النفطي والأكاديمي,الذي يُمسِك بناصية القرار في الولايات المتحدّة وأوروبا واليابان (ثالوث الرأسمالية الأكثر شرًّا وشراسةً ونهبًا لثروات الشعوب ومصادرة خيراتِها).
وكانت بالطبع شعوب ودُول"حديقة واشنطن الخلفِية"هي التي تدفع ثمن كل هذه العدوانية الإمبريالية. ولم يكن مصطلح «جمهوريات الموز» اعتباطيًا أو مجرّد دُعابة,بل كانت القارة اللاتينية (أميركا الجنوبية)مسرحًا للنهب وسطوة الشركات الإحتكارية,تُساعِدها في ذلك نخبة من السياسيين الجنوبيين الفاسدين وخصوصًا طُغمة الجنرالات التي دفعتها المخابرات المركزية (CIA),للقيام بانقلابات عسكرية أو تنظيم غزوات للمنشقّين على حكوماتِهم,كما هي حال الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو,تلك الثورة المجيدة التي شكّلت صداعًا مُقيمًا وصل حدود الهستيريا لساكن البيت الأبيض الأميركي ورهط الجواسيس في المخابرات المركزية وجنرالات البنتاغون,الذين دبّروا أكثر من غزوة واستخدموا أحطّ الأساليب لاغتيال"فيدل",بما هو رمز الثورة الذي إذا ما اختفى(هكذا توَهّموا),فإنّ قوى الثورة المضادّة ستكون جاهزة للإنقضاض على المُعجِزة التي حققها الثوّار الذين أسقطوا ديكتاتور كوبا...باتيستا.
هذا لا يعني أيضًا أنّ واشنطن بعد فشلها الكوبيّ «المُدوّي",تخلّت عن عدوانيتها, أو أوقفت مخططات إخضاع الرافضين لهيمنتها.وبخاصة «الثورة الشاملة» التي سعى إلى تعميمها الثائر الأرجنتيني تشي جيفارا,بل أصابت نجاحًا عندما حاصرته وقامت بإعدامه رميًا بالرصاص, رغم الجِراح التي أُصيب بها,لكنه الحِقد الذي لا يغادر قلوب الإمبريالين.كما أصابت «نجاحًا» آخر بعد تصفية جيفارا بستّ سنوات,عبر الإنقلاب الذي قاده الجنرال الفاشيّ بينوشيه,في الحادي عشر من أيلول 1973 على حكومة الرئيس الاشتراكي المُنتخَب ديمقراطيًا سيلفادور الليندي,الذي رفض الاستسلام ودافع حتّى الرمق الأخير أمام الانقلابيين,الذين اقتحموا قصره بعد قصفه بالطائرات الحربِيّة.
الإضاءة الطويلة على ارتكابات قائدة"العالم الحرّ"بحقّ دول وشعوب القارة اللاتينية,ستهدف فضح الجرائم التي قارَفتها هذه الدولة"الكبرى",التي تتشدّق بالدفاع عن قيم الحريّة والديمقراطية والانتخابات الحرّة,وغيرها من المُصطلحات المَغسولَة,التي باتت مكشوفة ومَحطّ إدانة معظم شعوب المعمورة.وتحديدًا شعوب أمّتنا العربيّة وأميركا اللاتينية وأفريقيا.حيث جنّ جنونها عندما بدأت دول أميركا اللاتينية تتحول"ديمقراطيًا"نحو اليسار,في انتخابات حُرّة أكّدت عليها «بعثات المراقبة"الأوروبية.حتّى تلك التي تسير في ركب واشنطن وتأتمِر بأوامِرها,بما في ذلك «نيكاراغوا"التي نجحت الثورة بقيادة الجبهة الساندينية للتحرير الوطنيّ,في إطاحة الديكتاتور سوموزا مُنهِيةً حكم سلالتِهم الفاسِدة في العالم 1979.ثم عادَت(الجبهة الساندينية)إلى الحكم بتأييد شعبي كاسح عبر صناديق الاقتراع.ولكنّها تخضع هذه الأيام لحصار وعقوبات أميركية خانقة,في إطار الهجمة المُضادّة الشرسة بل الشرّيرة والإجرامية الشاملة التي تشنّها واشنطن على الجمهوريات"المارقة"في أميركا اللاتينية,وهي كوبا ونيكاراغوا وخصوصًا فنزويلا.
هل قلنا فنزويلا؟
نعم..فهي موضوع الساعة,والبلد"الجديد"الذي يشخَص نحوه العالم,بعد أنّ دبّرت إدارة ترمب انقلابًا (لم ينجح حتّى الآن),ضد الرئيس الشرعيّ المُنتخَب مادورو,لاستكمال دورة الارتداد نحو اليمين وبخاصة الشعبويّ والفاشيّ منه.التي نجحت واشنطن في إيصالِه الى الحكم بالبلطجة والتخويف,وبخاصة فوزها بالجائزة الأكبر وهي البرازيل,بوصول العنصريّ الشعبويّ الأفنجيلِيّ المُتصهّيِن...بولسِونارو,الذي بات يُشكّل رأس حربة الإمبرالية الأميركية في القارة اللاتينية,والذي قد يكون جيشه(إذا ما قرّرت واشنطن),على رأس الغزو العسكريّ الأميركيّ لفنزويلا,بما هي جائزة كبرى أُخرى طالما سعت واشنطن للفوز بها,منذ نجاح الثورة البوليفارية التي قادها الرئيس الراحل تشافيز,والذي تعرّض هو الآخر لانقلاب عسكريّ في العالم 2002 نجَحَ لمدة 48 ساعة, أسقَطَته الجماهير الشعبية الفنزويلية.وهي الجماهير ذاتها التي نحسب أنّها ستُسقِط الإنقلاب الجديد,الذي يقوده المُتأمرِك الدُمية خوان غوايدو رئيس البرلمان,الذي سارعت واشنطن للإعتراف به رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا,هادِفة نزع الشرعِية عن الرئيس المُنتخَب ديمقراطيًا..مادورو.
ليس ثمّة فرصة أمام واشنطن"للفوز"بفنزويلا",حتّى لو غزَت البلاد عسكريًّا,أو دعَمت غزوًا أميركيًا لاتينيًا تقوم به الدول الدائرة في فلكها وعلى رأسها البرازيل وكولومبيا وتشيلي والأكوادور,التي بات يحكمها اليمين الفاشيّ المُتأمرِك,الذي يتقدّم المشهد اللاتينيّ بعد تراجُع قوى اليسار,جرّاء الهجمة الشرسة التي تشنّها الإمبريالية الأميركية على دولها المُستقلّة الرافضة للهيمنة والإستكبار أو مُسايَرة واشنطن سياستها العدوانية.وهي– واشنطن- تأخذ فنزويلا إلى حرب أهليّة مُدمِّرة,إذا ما أصرَّت على دعم قوى اليمين الفنزويلّي الفاشيّ.تلك القوى التي تزيد من حدّة الصراع عبر دعوة الجيش الفنزويلي للإصطفاف إلى جانبها.وهو أمر غير مُتوقّع الحدوث,وبخاصة بعد إعلان المؤسسة العسكريّة دعمها للرئيس الشرعيّ.أضافة إلى الدعم السياسي والدبلوماسي الذي أعلنته روسيا والصين والمكسيك وإيران وتركيا وقوى دولية عديدة لشرعيّة مادورو,ورفضاً لأي تدخُّل في شؤونها الداخلية.بل حذّرَت موسكو..واشنطن من مَغبّة التفكير بغزو عسكريّ لهذه البلد"النفطيّ"الكبير.مُذكِّرَة إياها بالكوارث التي عاد بها التدخّل الأميركي على شعوب ليبيا والعراق وفلسطين وأفغانستان,ودول عديدة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.