كتاب

وماذا ننتظر؟ رؤية المستقبل المشرق بظروف الحاضر

سلطت الضوء في مقالات سابقة على تحليل الواقع السياسي السائد بأجوائه العامة المغلفة بالحذر من خلال مناقشة المحتوى الواقعي لأوراق النقاش الملكية التي أعطتنا دفعة ثقة لري شجيرات الأمل بضمائرنا بشوق يبشرنا لحاضرنا ومستقبلنا والتي تؤسس بذات الوقت لبناء الدولة المدنية الحديثة اعتماداً على مرتكزات المساواة والحرية واحترام الرأي والرأي الآخر ومساهمة الفرد ضمن معايير الأداء والانتاج تمهيداً للوصول للحكومات البرلمانية بتطبيقاتها الفعلية بين السلطة التنفيذية التي تحكم والمعارضة التي تراقب تحت مظلة نفس الهدف وليس صراعاً أو تناحراً لإثبات الصح والخطأ، واستعداداً للتضحية والتغيير نحو الأفضل وذلك للقفز عن أبجديات أرهقتنا بمفاهيمها بسبب ربطها التقدم على السلم الحضاري بمدونات ومفاهيم انتهت صلاحيتها بعصرنا الحالي الذي يحتاج لمواكبة التطورات والتقنيات للاستفادة منها للحاجة اليها والافادة لها كمفكرين وشركاء وليس ضمن معشر الكومبارس أو المتفرجين الذين يصفقون لانجازات الغير بفخر وذلك ضمن ظروف المنطقة التي تغلفنا بسحابة تمنع عنا الرؤية أو تدخلنا بمتاهة الاجتهاد بالتفسير، وربما امتحان القدر لظروفنا رسالة وامتحانا لنا خلال أحداث عصفت بوطننا في النصف الثاني من العام الماضي تلزمنا الافادة من حكمة الاستمرار دون توقف مع اليقين أنها ليست وليدة من رحم الأحداث المستجدة بقدر ما هي تراكمات وقفزات رُحلت عبر السنوات للفترة التالية ولم تأخذ فرصتها بالمناقشة والبحث لايجاد الحلول خصوصاً أن ظروف عدم استقرار المنطقة بدأت بالحرب العالمية الثانية مروراً بمحطات النكبة وفرض الواقع الاستعماري الذي مزق البلاد العربية ورسم حدوداً ماثلة حتى يومنا، لم ترحمنا ولم تسمح لنا بالتقاط الأنفاس لإعادة البرمجة وترتيب الأولويات حيث وصلنا لنقطة الحسم والعمل.

البحث عن الحلول الواقعية النابعة من الحرص الوطني على مستقبل الوطن والعائلة في هذه المرحلة للمحافظة على الأردن واحة الأمن والسلام ومحجاً للباحثين عن دفء الواقع للاستمتاع بفصوله يحتاج لورشة مراجعة فورية للذات ولا يحتاج لجهود مضاعفة أو توظيف إمكانات خارقة، ولن يحتاج لخبرات وجهود ضمن فئة التصنيف أو استنباط نتيجة خبرة من آخرين فهناك مساحة كبيرة في قلب الوطن تحتضن الجميع للجلوس على متائكها بأمان بهدف طرح تحليل لسلبيات الماضي للمناقشة وليس للعتاب أو اغتيال الشخصية أو تحديد شماعة لتعليق الأخطاء، وأكاد لا أبالغ القول بعملنا أو اجتهادنا لتطبيق قاعدة فرضية الخطأ بأن من يعمل قد يخطء ولن نسمح لأحد بتشخيص النتيجة بجريمة للعقاب فذلك واقع اجتهاد نتيجة جهود بُذلت بظروف قد تكون فصلاً من تاريخنا، ولكنها اليوم موضوع مراجعة للمناقشة، وهنا لا بد من التوضيح أن التمسمر على منعطفات التاريخ قد يحرمنا من التقدم لرؤية الأفق القادم للحاضر، فهناك جزء غير منظور أو متوقع في المستقبل حيث تبدأ الخطوة الأولى بالفرد على المستوى الشخصي لمراجعة أداء الذات قبل التوسع لمستوى العائلة الصغيرة والكبيرة والانطلاق نحو المجتمع الصغير فالأكبر، وصولاً لمائدة المصالحة على مستوى الوطن، ففلترة الأمور بصورتها الشخصية مروراً بمراحلها يجعل الأفق أوضح ويحدد الأبعاد بصورة أدق ببوصلة الحرص فتكون النتيجة للحوار مثرية ومثمرة بنتائج تعكس حرص الجميع، فالتجرد من ثوب الأنانية وشخصنة الأمور، وهذا الواقع الجريء، يتطلب الاعتماد على القدرة بالأداء والعمل وليس التستر خلف الحواجز حيث يجد البعض متعتة باستخدام ستار العشيرة والعائلة كدرع واق يحميه ويمنحه إذن تصرف، وهذا المبدأ لا يتناقض مع الاحترام والتقدير للعشيرة والعائلة والقبيلة أبداً لأنها الأساس ببناء الدول والحضارات في عصور الأزدهار، ويقيني أننا بحاجة للتجرد من ثوب أعمال الماضي بصوره المبالغة التي صنعت بطولات أو تركت هزائم ونكبات ذات الارتدادات القاتلة حتى الساعة بواقع يجب اقفال محاضره فوراً، فنحن نتحدث ونناقش الاخفاق تحت ذريعة التقصير ونبحث عن كبش فداء لن يغير من معادلة النتائج بينما نرى أطراف المصلحة على الشاطىء الآخر يناقشون ويحللون النتائج لتحسين المكاسب، وهو تصنيف الدول والشعوب الحريصة على إدامة عجلة التقدم والعمل والانتاج والتعلم، فنحن اليوم أمام فرصة ذهبية لمقاصة الأداء الذي يمنحنا مناعة من الغدر القادم عبر مسيرة الأيام.

التسامحُ بقلوبٍ صافية يجعلنا شعباً مثالياً للاحتذاء بأفعاله وأقواله، ورصف القلوب بفواصل النوايا كفيل برصف صفوفنا قوة ومنعة وكفيل أيضاً بمضاعفة قوتنا وجَعْلِنا رقماً أصعب مما نحن عليه اليوم، فرؤية المستقبل المشرق بظروف الحاضر ونحن نرتدي ثوب النوايا ستعطينا جرعة من التفاؤل التي نحن بأمس الحاجة اليها الآن، كما نحن بحاجة سريعة لإعادة الاعتبار لمن شاءت الظروف بإثارة الزوابع على تاريخهم فالعطاء والانتماء لا يقيمان بموقف أو حادثة ونحن بحاجة لجهود البعض منهم، بل مقاصة لسنوات العمل حتى تنجلي الحقيقة للاتعاض بفقراتها كما أسلفت، ونحن أيضاً بأمس الحاجة لتغيير جذري مبرمج ومدروس ضمن رؤية مستقبلية واضحة المحاور والتفاصيل، نحدد فيها أسطر أولويات البناء بخطة واضحة مع بدائلها وخططها البديلة شريطة التذكر بفرص وجود مطبات تعيق الطريق على أن تعامل كشيء متوقع وليس عارض بتسلسل ينقل الحلول بخطط متتالية، والبناء الذي نحن بحاجة اليه هو بناء النوايا والأشخاص ثم العمل وكل بقدرته وضمن امكاناته، بعيداً عن الشعارات التي تحتاج لسقف أعلى من التوقعات ليفسر الاخفاق بضعف الامكانات، ففرصتنا الذهبية اليوم بين أيدينا ونحن نملك رصيداً من الحرص والذكاء والمستوى العلمي المنافس يمكننا من البدء الفوري بترجمة أحلامنا على أن نتذكر دائماً مصادر العمل والعطاء بدون مبالغة أو فرضيات وهمية.

يجب الجلوس على طاولة الحوار لجميع مكونات الشعب وعدم احتكار الأمر وحصره على الذين اجتهدوا وأعطوا بظروفهم فمع الاحترام لهؤلاء وتاريخهم، لا بد من وجود أصوات وأفكار وطنية إضافية بنفس درجة الحرص وطريقة مختلفة للاضافة، تناقش أحداث الماضي للاستفادة منها وتوثيقها لفتح صفحات جديدة نحفر فيها بُرؤى المستقبل، يتبعها العمل على ترجمة رؤية واضحة لمعالم الحياة السياسية في تشييد أردن الحاضر الذي نتمناه جميعاً، ثم العمل الصادق على اختصار الأولويات بأجندة تحدد أسس العمل الحزبي لتشكيل أحزاب سياسية وطنية الانتماء والأهداف بعدد أصابع اليد الواحدة بحدها الأقصى بعد التنازل عن فكرة احتكار الرئاسة والقيادة أو توريثها ويكون الانتماء اليها على الأساس الفكري المؤسس على المبادىء والمجرد من فكرة القفز، يتبع ذلك إجراء انتخابات برلمانية تكفل تمثيل جميع مكونات الشعب الأردني بقانون عصري يمنح الحزب الفائز فرصة تشكيل حكومة برلمانية مراقبة بصوت معارضة وطني يهدف للمعارضة البناءة والتي ستفرز أجندات البناء للقادم من الأجيال والسنوات بعد دراسة عميقة ومستفيضة حيث هناك قاعدة الحكم الديمقراطي التي تمنح المعارضة الانتقال لسلطة الحكم إن أجادت الأداء وتفرض على الحزب الحاكم الانتقال القصري لصفوف المعارضة؛ سيمفونية الأداء في الحكم تطرب الجميع وتسعدهم وبعيداً عن التجريح وشخصنة الأمور، على أن يتذكر الجميع بوجود وعي وطني يراقب الأداء بالنتيجة ولن يسمح بتجاوزات على حساب مقدرات الوطن، فنحن نحلم بمظلة رخاء المساواة، ويقيني أن وجود نظام تربوي مؤسسي وثابت ومدرسة تكفل تعليم أبنائي على أبجديات الأداء الصحيح بفرص دراسة جامعية مستقبلية يتبعها فرص عمل للعيش الكريم، يحميها نظام قضائي لتحقيق العدالة حيثما ابتعد قطارها عن قضبانها في الطريق القويم، ووجود عدالة اجتماعية بالأداء والنتيجة بوجود المظلة الهاشمية ورعاية عميد آل البيت وكافلها واقع سيجعلنا عبرة وأنموذجا وللحديث بقية.