كتاب

الرهان على الأجيال التي ورثت الذاكرة..



أنا في حيرة تراوح ما بين حكمة العقل وعاطفة القلب. أنا في حيرة مثل الكثيرين، لأنني لا أستطيع أن أكون محايداً في الصراع التاريخي الوجودي القائم، أو أنحياز للواقع الفلسطيني الحالي المحزن، لأنني انحاز لكل قضية قومية، وفي مقدمتها قضية فلسطين بحدودها التاريخية الواقعية والمتخيلة، التي ما زالت تداعب ذاكرة ومخيلة الطفل الذي كنت، وهي التي تشكل الحد الفاصل بين قوة المقاومة وبين راحة الاستسلام للوضع الراهن.

أنا في حيرة منذ أصبحت قضية الشعب الفلسطيني محددة بقرار مستقل تقيده الضرورة، وأعني بصراحة منذ أصبحت قضية محلية لا يحتضنها الاطار القومي، خصوصاً أنها أخذت مساراً ضيقاً لا يؤدي إلى استقلال أو قيام دولة، بل فتحت الطريق أمام الصهيونية للسعي إلى اخراج القضية من الذاكرة العربية، والتسلل إلى العمق العربي، وقبلها فك عزلة اسرائيل وعودتها إلى كل العواصم الصديقة في أسيا وافريقيا وأميركا اللاتينية.

الواقع الفلسطيني في الداخل مريح للاحتلال وغير مكلف، فالجنود يملكون الحق بدخول غرف النوم في منتصف الليل في كل المدن والقرى والمخيمات المستباحة، باعتقادهم أن لهم الحق باعتقال كل الناس في الداخل، وبالتالي يقومون بدخول السجون والمعتقلات الاسرائيلية وممارسة كل أشكال البطش والقمع والتعذيب ضد الاسرى والمعتقلين، حتى في جناح الأطفال من الأسرى، كما حدث في سجن عوفر، الذي يشبه المعتقلات النازية، دون احتجاج من شقيق أو صديق أو شرعية دولية.

في ظل هذه المرحلة، زمن الشقاء المر، أراهم يحتفلون بذكرى انطلاق الثورات وتعدد التنظيمات والفصائل، هي مجرد احتفالات فولكلورية تراثية تفصل ما بين الماضي والحاضر، فهم ينظرون في عيون عدوهم كل صباح بلا انفعال أو خيال يجنح نحو الغضب، لأنه عدوهم ما زال يحكمهم، ويتحكّم برغيف الخبز وقطرة الماء ونور الكهرباء، وتصريح الدخول والخروج.

اسرائيل تراهن على لعبة الزمن، ونحن نراهن على الأجيال التي ورثت الذاكرة الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض. نحن على يقين بأن هذه الأجيال الفلسطينية والعربية لديها القدرة على إعادة انتاج التاريخ الحقيقي الصحيح، من خلال مشروع نهضوي عربي قومي جديد، هي الأجيال التي تقلق بارادتها واصرارها وتفاؤلها، قادة اسرائيل والصهيونية وتعيدهم إلى المراوحة في أزمتهم الوجودية.

القلق الوجودي الاسرائيلي المتشابك مع أزمة حكومة اليمين المتطرف، وارتباك نتانياهو حول مستقبله في الانتخابات المبكرة، هو سبب هذا السعار الاسرائيلي المتمثل بالتصعيد العسكري على كل الجبهات. بدأ التصعيد منذ الحشد على الحدود مع لبنان واختلاق مسألة الأنفاق، بهدف استفزاز المقاومة الوطنية اللبنانية وتسخين الأجواء الشمالية، وبعدها العدوان الجوي المتكرر على أهداف في سوريا، والحاق الاضرار الجزئي بمطار دمشق المدني، ثم الاعتداء اليومي على غزة المستفزة الصامدة دوما.

هذا التصعيد أشتد منذ أعلن الرئيس ترمب نيته الانسحاب من الشمال السوري، وهو قرار غير مضمون، رغم ذلك زاد القلق الإسرائيلي أكثر، لأن تل أبيب تريد بقاء هذه القوات لإسناد مشروعها التهويدي وخططها التوسعية، فهي لا تحب أن ترى سوريا تخرج من أزمتها وبسط سيادة الدولة على كامل الأراضي، لأن في بقاء القوات الأميركية ادامة لحالة الصراع والاشتباك والتوتر في سوريا، كما يبقى شبح التقسيم يخيم على هذه الأجواء.

في النهاية لا أستبعد السعي الاسرائيلي لجر الرئيس الأميركي المأزوم ترمب إلى مواجهات عسكرية ساخنة محدودة في المنطقة، ولكن من المعتقد أن هذه الفكرة قد تكون مجرد أمنيات اسرائيلية بعيدة عن الواقع لأن لدى ترمب حمولة زائدة من الأزمات الداخلية والخارجية.

m.yousefkawash@gmail.com