"ابني يسرق رغم توفر كل ما يحتاج، شعرت بصدمة عندما شاهدت صدفةً حقيبته المدرسية ممتلئة بالأقلام والقرطاسية وحين سألته عنها، أجاب "لزملائي بالصف" وقتها اكتشفت انه يأخذ كل ما يرغب دون أن يعلم أن هذا يسمى سرقة، اعلمته بالأمر وأقنعته بأن هذا السلوك خاطئ وعليه أن يعيد الأشياء المسروقة لزملائة لكنه رفض" بهذه الكلمات وصفت ولاء حالة إبنها.
وتابعت حديثها بغصة، "رغم ملاحظتي سابقا أن لدى إبني رغبة في استحواذ وامتلاك أي شيء يعجبه وحتى في متاجر الحلوى يضع بجيبه قطع "الشكولاته" وكنت أدفع ثمنها وأضحك وكنت لا أبالي بأمرة ولا أنصحه رغم معرفتي أنه سلوك غير سوي ولم أدرك أن سكوتي واستهتاري علمت إبني السرقة".
بينت دراسة تعالج سرقة الأطفال أعدتها الاخصائية النفسية مريم العبيدلي، أن السرقة أو ما يعرف بالاستحواذ على ما يمتلكه الآخرون تأتي مدفوعة بأسباب عدة، أهمها الحرمان والجهل بمعنى الملكية أو تأتي بدافع الإنتقام والغيرة، فيما يلجأ الأطفال إلى هذا الأسلوب للتفاخر والمباهاة وحب الاستطلاع والاستكشاف.
وتضيف الدراسة إلى بعض الأسباب الأخرى كإشباع مشاعر التمرد الكامنة لدى الآباء حيث يحصل الآباء على أشكال متعددة من السعادة اللاشعورية من سوء تصرف طفلهم، فتشبع السرقة مشاعر التمرد الكامنة لديهم، والطفل يشعر بذلك ويستثار فيستمر في السرقة إلى جانب الدلال المفرط وانخفاض مستوى التدليل وغيرها.
حلول لعلاج السرقة عند الأطفال
تشير الدراسة السابقة إلى أن التعرف على دوافع وأشكال السرقة عند الأطفال يمثل نصف الطريق في معالجة هذا السلوك، أما النصف الآخر فهو تصرف وسلوك الوالدين خاصة الأم التي ينبغي عليها أن تراعي في تربية طفلها تعليمه على احترام ملكية الغير مع توفير الضروريات اللازمة للطفل وتعويده على طلب الاستئذان وزرع القيم الدينية والأخلاقية في الأسرة وتوضيح مساوئ السرقة وأضرارها على الفرد والمجتمع.
وتضيف الدراسة إلى ضرورة ملء وقت فراغ الأطفال بما هو مفيد و إختيار القصص، والأفلام التربوية المناسبة للطفل حيث أن هناك بعض وسائل التسلية المرئية والمقروءة تحرض الطفل على السرقة، فتظهر السارق إنسانا خارقا يجذب أنظار الآخرين.
وتقول المرشدة الإجتماعية سوزان خير، أن بعض الأطفال يعانون من مرض السرقة بسبب حب الامتلاك او تعرضهم للحرمان و تقليدهم لذويهم او رفقاء السوء.
وتنصح خير، الوالدين أن يراقبوا أبناءهم الصغار وأن يستفسروا عندما يشاهدون أغراض جديدة بين يدي طفلهم وإن حصل وقاموا بالسرقة عليهم أن يعلموا أبناءهم أنها ليست من حقهم وعليهم المحافظة على ممتلكات الآخرين وأن لا يأخذوا أشياء ليست لهم وعليهم إعادتها وأنه سلوك خاطئ واذا رفضوا عليهم معاقبتهم من دون ضرب بل بهدوء وحكمة بعيدا عن الصراخ والضرب لأنها تؤدي إلى نتائج عكسية في أن يتمسك الطفل بتلك العادة السيئة.
في هذا الإطار يقول سامي انا السبب في تعليم طفلي السرقة من دون قصد فعندما أهديته حصالة ليجمع النقود كنت أعطيه نقودا بشكل يومي وكان سعيدا، في عدة مرات كنت أحتاج الى فكة فأقوم بأخذ نقود الحصالة من دون طلب إذنه.
واستغربت من شكوى صديقي من طفلي أنه قام بسرقة نقود الحصالة لابنه وتعجبت من ذلك، وعندما سألت إبني ما السبب الذي دفعك لذلك جاوبني أني أخذت نقوده من حصالته دون اذنه، وقتها أدركت حجم الخطأ الذي ارتكبته من دون قصد وأني كنت قدوة سيئة لأبني .
وتشير خير إلى أهمية القدوة الحسنة للأطفال في هذه المرحلة العمرية لأطفالهم من خلال سلوكهم في عدم التعدي على الممتلكات الخاصة للآخرين وأن يكون أهلا للأمانة والأخلاق وأن يغرزوا في نفوسهم عدم الغش والخداع وأن يشجعونهم على العطاء والكرم وعزة النفس والرضا بما لديهم واذا وجدوا شيء سواء بالمدرسة او بالبيت أن يسألوا عن صاحبه.
وتضيف خير على الأهل البحث عن معرفة السبب الذي دفع أبنائهم للسرقة فعلى سبيل المثال إذا كان السبب رفقاء السوء أو حرمانهم من الحصول على احتياجاتهم فيعوضون النقص بالسرقة أو عدم معرفتهم بأن سلوك السرقة مرفوض أمام الله والناس وليس من حقهم الإعتداء على ممتلكات الغير أو هناك قدوة لهم في المنزل سواء الأب أو الأم تقوم بدون قصد أخذ ممتلكاتهم دون أن تطلب إذن مسبق منهم فيعتقدون أن التصرف طبيعي لأن الآباء قدوة لأبنائهم .
الطب النفسي والسرقة عند الاطفال
ويبين الطبيب النفسي الدكتور عبد الله أبو العدس مختص بالصحة النفسية أن سيكولوجية سلوكيات السلبية لدى الأطفال، هي مركبة تعتمد على عناصر جينية و بيئية و التربية بالدرجة الأولى والطفل يقلد مايراه أي يتعلم عن طريق التقليد وليس من خلال التحليل المنطقي المفضي لنتائج منطقية فهو يقلد قيمة إجتماعية سواء كانت في البيت أو المدرسة أو المجتمع .
ويشير الى أن من أسباب السرقة عند الاطفال الانفتاح على التكنولوجيا ومواقع الإنترنت والألعاب ومواقع التواصل الإجتماعي، حيث يقلد الطفل سلوك لا يعي توابعه على اعتبار أن هذا السلوك يعطيه قيمة أو محبة إجتماعية مؤكدا أن الطفل في هذا العمر يكون في مرحلة تشكيلية وعادة يقلد سلوكيات الآخرين.
ويبين أبو العدس قد يكون الطفل يعاني من اضطرابات جينية في أسرته فعلى سبيل المثال، قد يكون والده يعاني من اضطرابات بالشخصية أو وجوده في بيئة مجتمعية تعتبر هذه القيم من الرجولة المببكرة وبالتالي يلجأ الطفل إلى هذا السلوك السلبي الذي يفضي إلى تكوين شخصيات هشه غير مستقلة نفسيا وتعاني من صراعات ذاتية لاتستطيع التمييز بين ما هو مقبول سواء من الأعراف الاجتماعية أو الدينية.
السرقة عند الأطفال من المنظور النفسي والاجتماعي
12:00 23-1-2019
آخر تعديل :
الأربعاء