كتاب

أحزاب وخراب !!

عجيب أمر أحزابنا فبدلاً من أن تجسد حالة النهوض بالمجتمع والسلطة والتشريع فإنها تطالب المجتمع والسلطة والتشريع بأن تنهض بها ولم تكتف في بيانها الذي لم أجد له تصنيفا او وصفا تحت أي بند سوى التناقض مع الذات والدستور والمجتمع بتبنيها الافلاطونيات الحالمة وسوء تقديراتها للحالة الأردنية بل جاء بيانها كاشفا لنهج لطالما انتقدنا الحكومات عليه وهو الاختباء خلف مؤسسة العرش في نمطيات سياسية تقليدية لم تعد مقبولة وقد تجاوزها الشارع الأردني وهي تخفي في طيات ما كشفه بيانها من عجز وعقم سياسي » تقدمي » فلم يتبق سوى مطالبتها لجهات الحكم الدستورية بأن تأخذ بيد المواطن في الانتخابات من بيته للتصويت لصالح الأحزاب !!!

بيان العجز الحزبي الذي يطالب بتعديل قانون الانتخاب بما يفضي الى انتخابات على أسس وقوائم حزبية » كوتا » وصولا الى ما يسمى التداول السلمي للسلطة–ولا أدري من أين استخلص فلاسفة هذه الاحزاب بأن هذا مبدأ ونص دستوري–هو بيان معيب بكل ما تحمل الكلمة من معنى ويكتنفه العوار الدستوري والواقعي والسياسي ومحاذيره خطيرة جدا ليس أقلها مخالفة مبدأ الفصل بين السلطات حيث لم يرد في الدستور الاردني بكافة تعديلاته عبر التاريخ توليد حكومة حزبية من رحم مجلس النواب باعتبار ذلك خلطا في المفاهيم المعيارية الدستورية الجوهرية وتغولا لسلطة على أخرى لتصبح الجهة التشريعية الرقابية على الحكومة هي نفسها الحكومة فتفقد الرقابة الدستورية المفترضة وجودها وقيمتها وصولا لشكل مضطرب من أشكال الاستبداد السياسي داخل الدولة في حين ان هذه الاحزاب نفسها تزعم الاصلاح نهجا وهدفا !!!

العمل السياسي والحزبي والتنظيمي في الاردن متاح ومفتوح هذه الايام بشكل غير مسبوق ضمن بحبوحة حرية اصبحت محل نقد لانها بلا سقوف حتى انها تجاوزت في كثير من الاحيان ضوابط القانون والعرف وبالغت في مستويات لا نجدها حتى في ديمقراطيات مستقرة لكن ما هو المطلوب اذا كانت هذه الاحزاب غير قادرة على إقناع الجماهير وتتقوقع على نفسها في العاصمة وتمارس الدلع الديمقراطي والنخبوية السياسية والبرجوازية الحزبية والفوقية التنظيمية وتمارس ايضا الاستبداد فما تنادي به مما يسمى مبدأ التداول السلمي للسلطة غير موجود داخل بنية هذه الاحزاب نفسها ومن نافلة القول بأن من «يتعربش » بكرسي السلطة على رأس هذه الاحزاب كان ولا يزال تاريخيا هو نفس وذات الشخص فلا يقبل بفكرة التداول على نفسه باعتبارها من قبيل التطاول !!!

الشعب الاردني وخصوصا في الأطراف الأقل حظاً كان ولا يزال معنياً بلقمة الخبز لا بتداول الأحزاب للسلطة والشعب الاردني لديه فجوة ثقة عميقة فيما بينه وبين الاحزاب لا تقل سعة عن فجوة الثقة بينه وبين الحكومات المتعاقبة، ولربما كان الحراك الموضوعي غير الموظف في اتجاهات الهدم هو ما يعبر عن لسان حال اغلبية الاردنيين لان الحراك بالوصف الوطني الهادف للبناء لا الهدم البعيد عن بعض الصفاقات والمراهقات هنا او هناك قد انطلق من رحم المعاناة الاقتصادية لا السياسية واستطاع ان يخلق رأيا عاما تحاول الاحزاب توظيفه لصالحها وقطف ثمار ما انجزه هذا الحراك الشعبي الوطني لا بل واختطاف ما راكمه من قيم وافكار وصناعة تحولات شعبية تدعو لتغيير النهج الاقتصادي، ومن هنا كان توصيف الحالة في البيان الحزبي بأن تغيير النهج الاقتصادي يبدأ بالتغيير السياسي انما هو توصيف تضليلي غير واقعي قد يحقق اهداف هذه الاحزاب في الجلوس على مقعد الرابع لكنه لا يحقق هدف لقمة خبز المواطن والنماذج التي يمكن القياس عليها في المغرب والعراق ماثلة امامنا من حيث حكم الاحزاب والعجز عن اجتراح حلول اقتصادية مما ادى لتفجير الاحتجاجات مجددا على هذه الحكومات الحزبية المنتخبة..

إذا كان لابد من وجود حزب يمثل تياراً شعبياً سياسياً نخبوياً يمسك بزمام السلطة التنفيذية فالحراك الوطني الاردني هو صاحب الأفضلية الشعبية والأحقية النضالية والواقعية في ذلك وصاحب المشروعية في «الشارع» وصاحب الشرعية في الانجاز الاقتصادي بالتخفيف على المواطن والجدية في مكافحة الفساد التي اظهرتها حكومة د. عمر الرزاز وعليه فإنني ادعو «الحراك» اليوم لقول كلمته وسط هذا العبث لتشكيل اكبر قاعدة حزبية افقيا وعاموديا في الدولة الوطنية كذراع سياسي للجهد المبذول عبر ما يقارب عقد نضالي في الشارع وهو يحظى بتأييد الاقل حظا في الاطراف بوصفه رافعة حقيقية ومنافساً لمشروع البرجوازية والدلع الديمقراطي فيما يسمى الملكية الدستورية من خلال مشروع الكادحين «الملكية الشعبية » فإذا كانت الاحزاب تنادي بمبدأ التداول السلمي للسلطة فإن الحراك ينادي بمبدأ التداول السلمي للثروة واذا كانت الاحزاب تتبنى نظرية الحقوق السياسية المنقوصة فإن الحراك اليوم يتبنى نظرية الحقوق الاقتصادية المنقوصة واذا كانت الاحزاب تحاول استلاب الارادة الملكية فان الحراك ينادي بالانسجام والتناغم معها لتكون معبرة عن ارادة الشعب لا ارادة الحزب.. بقي أن نقول انه يتوجب على مؤسسات الدولة الراسخة إعادة تصنيف ملف الحراك واعادة التعاطي معه بمفهوم الفرصة لا «القرصة »..