كتاب

الأوراق الملكية النقاشية.. دستور ورؤية متكاملة للدولة المدنية الحديثة (3–3)



أوجز جلالة الملك بورقته النقاشية الخامسة رويته للإصلاح السياسي والتي تهدف لعملية الإصلاح السياسي النابعة من الداخل والذي يترجم من خلال تمكين المواطنين من القيام بأكبر دور ممكن في صنع القرار عبر ممثليهم المنتخبين بعد الانتخابات النيابية حيث أنجز بين الورقة الأولى والخامسة مجموعة من التغيرات خاصّة منظومة القيم والممارسات والأدوار والأعراف التي يجب أن تستمر في تعمق بمبادئها وتعزيزها حفاظاً على زخم المسيرة الإصلاحية المنشودة، لتحقيق الهدف النهائي بنجاح، وبشكل يلبّي تطلعات المواطنين، وربما توقيت الأوراق النقاشية ذات الموضوع تزامن مع موجات الربيع العربي في مختلف بلدان الجوار وما رافقه من فوضى وخلافات في الوقت الذي كنا ننعم فيه بالسلم والسلام والآمان بسبب مرجعيتنا وحسن القيادة الهاشمية للتعامل مع التطورات والظروف بالشكل الذي ضمن لنا ربيعنا مزهرا ومخضراً، وربما هناك علامة فارقة بالحرص على استمرار العمل في تدعيم السلطة القضائية وتعزيز منظومة وطنية قوية للنزاهة والشفافية والمساءلة قد بنيت على مخرجات اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية بمساعدة عدد من المؤسسات الرقابية الرئيسة، كهيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، وغيرها. لقد تضمنت الورقة بصريح العبارة تحديد الدور لجميع مؤسسات صنع القرار وخصوصا السلطتين التشريعية والتنفيذية ومرجع ذلك المراهنة على وعي المواطنين بدورهم وحقوقهم الذي يستلزم التفكير الجدي بتأسيس الأحزاب تمهيدا للوصول لمرحلة الحكومة البرلمانية التي نحلم فيها كواقع، وأكدت الورقة بمضمونها على أن الأمن والديمقراطية والرفاه هي دعائم المستقبل، ويعتمد كل منها على الآخر، فالتحديات الراهنة تمثل واقعا استثنائيا ضاغطا، لكن الأردن ماض بثقة على مسار التنمية السياسية الذي اختطته.

بناء الثقة يحتاج دائماً لحارس وضامن للحقوق واستعراض تطور وتقدم الشعوب والبلاد يبين بوضوح أن الأساس في الحضارة والعدالة يعتمد على سيادة القانون وتطبيق مفاصله بعدالة، وهنا نلاحظ أم محتوى الورقة النقاشية السادسة «سيادة القانون أساس الدولة المدنية» وهو الطموح والانجاز الذي ينقل تصنيفنا على السلم الحضاري للرفاهية التي نطمع فيها، وهو الأساس الحقيقي الذي تُبنى عليه الديمقراطيات والاقتصادات المزدهرة والمجتمعات المنتجة، وهو الضامن للحقوق الفردية والعامة، والكفيل بتوفير الإطار الفاعل للإدارة العامة، والباني لمجتمع آمن وعادل؛ إنه سيادة القانون المعبِّر الحقيقي عن حبنا لوطننا الذي نعتز به. إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجردة ونظرية في غياب الاحترام المطلق للقوانين، والتنفيذ على أرض الواقع في الامتحانات العملية فمسؤولية تطبيق وإنفاذ سيادة القانون بمساواة وعدالة ونزاهة تقع على عاتق الدولة، ولكن في الوقت نفسه، يتحمل كل مواطن مسؤولية ممارسة وترسيخ سيادة القانون في حياته اليومية وعلينا استنباط الحكمة من دول الجوار التي اختارت العودة للقرون الوسطى نتيجة الاقتتال الداخلي الذي حرق بهشيمه مقدرات الدول وأصبح قرارها السيادي أسيرا لمصالح الغير والسبب الواضح أن غياب سيادة القانون والتطبيق العادل له كان عاملا رئيسيا في الوصول إلى الحالة التي مرت فصولها الحارقة على أنين الشعوب لتجد واقعها أرضاً خصبة لنمو شجرة الكراهية والانتقام، وللتذكير، فسيادة القانون أساس الإدارة الحصيفة التي تنشر رسالة سلام وطمأنينة، خصوصا بوجود أفكارا اختارت لنفسها الوقوف على منعطفات العمل السياسي بشعارات التنظير، والعدالة التي يرسمها القانون والقضاء لا تفرق بين أبناء المجتمع الواحد مهما تبدلت الظروف، فسيادة القانون تضمن لنا تحقيق حلمنا بالدولة المدنية.

ولوضع التصور والحلول فلا بد من الاعتراف بوجود معيقات مسلكية تمارس على جميع المستويات بمسميات مختلفة ولكنها في النهاية تحت عنوان واحد حيث لا يمكن الحديث عن سيادة القانون ونحن لا نقرّ بأن الواسطة والمحسوبية سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقا يحول دون النهوض بالوطن، بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة وهي الأساس لتطور أي مجتمع، والمؤسف أن هذه الشجرة قد نخرت بعمق في جذورها واصبحت وسيلة وسلاحا لاستقواء البعض ولا بد من القضاء عليها بحرق جذورها ودفن معالمها لأنها المرض الفتاك الذي يحول دون تقدم الأمم ويمنع الطاقات المبدعة من المساهمة بالبناء الوطني، فالدولة المدنية هي دولة القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القوانين في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعددية والرأي الآخر، وتُحدد فيها الحقوق والواجبات دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أوالموقف الفكري إذا كان نابع من الحرص الوطني.

ثمة اعتداءات مبرمجة أو عفوية على الملف التعليمي

التعليم كان حاضرنا بفكر جلالة الملك فخصص ورقته النقاشية السابعة «بناء قدراتنا البشرية وتطوير العملية التعليمية جوهر نهضة الأمة» للتركيز على محور التعليم، وأكرر القول أن الأمم المتقدمة هي تلك التي تحترم التعليم والقانون، واجب يحتم علينا بناء مؤسساتنا وسلوكياتنا فعنوان الورقة النقاشية السابعة «بناء قدراتنا البشرية وتطوير العملية التعليمية جوهر نهضة الأمة» هو التأكيد والفصل بأهمية هذا الركن في تقدم الشعوب ورخائها، ويقيني أن الاستثمار في الأبناء سيكون مجزيا عن الاستثمار للأبناء، وربما نلاجظ أن ثمة اعتداءات مبرمجة أو عفوية على الملف التعليمي والمناهج قد حصل لظروف مما استوجب تشكيل اللجان لتصحيح المسار بالشكل الذي يضمن تسليح الطالب بالمعلومات والقيم المفيدة فتشجع قبول الآخر وتمنع التعصب وتذيب الفروقات بين الطبقات، فالتسلح بالعلم وسيلة حضارية تؤسس لمتانة الجبهة الداخلية التي نهدف جميعا للمحافظة عليها، وعلينا أن نتذكر أن حفظ الزناد على بندقية التعليم مقرونة بعدالة القانون أمران حاسمان بتقدم الشعوب وتصنيفها، الأمر الذي يتطلب تعزيز استقلالية القضاء فعلا وعملا، ومراجعة المناهج الدراسية منذ الابتدائية حتى الجامعية بما يوائم متطلبات الدولة المدنية الحديثة بأسس الديمقراطية مع التذكير بضرورة الافادة من الموقع المهم الذي يشغله الأردن بفضل قيادتة الهاشمية الحكيمة على مستوى المنطقة والعالم، فله دور مؤثر بكل القرارات المصيرية، وعلينا أن نتذكر مثالا نعيش بعضا من فصوله الآن بطريقة تعامل الدولة الأردنية بسياسة حكيمة معتدلة مع الملف الخاص بدول الجوار بالرغم من ضغوط مورست ووعود سُجلت ولكن ثوابت الأداء التي لا تخضع للعصبية أو القرارات المتسرعة أعطت للدور الأردني مفتاح التحكم ببوصلة الحل العادل الذي يضمن السلامة.

وبعد، فقد تصفحت عبر مقالاتي الثلاث المحتوى الواقعي لأوراق النقاش الملكية ببعدها الأدائي الذي يهدف لبناء الدولة المدنية الحديثة بدستور حديث يعتمد على واقع الشعوب وتاريخها حيث يمكننا الاعتماد على الذات بما نملك من مقومات بدافع الحرص الوطني لبناء الدولة الديمقراطية الحديثة دون أن نحاول المرور بنفق الكسل وحب الذات، وعلينا أن ندرك بقرب المسافة التي تفصلنا عن هدفنا لنحافظ على منجزاتنا وننعم بخيرات أرضنا، ووجود الهاشميين مظلة تحمينا جميعا يساعد ببث روح الطمأنينة التي يجب أن تكون وقود الاخلاص للوطن، وأتمنى أن نتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي بالحجم الحقيقي لحرصها، فهناك محطات سلبية بأداء البعض لأسباب قد نجتهد بتفقيطها، فحرب اغتيال الشخصيات الوطنية، التركيز على سلبيات بحكم التغير، التقليل من شأن الانجازات، استخدام شعار «أنا» أو لا وغيرها سلوكيات نحن بأمس الحاجة لمراجعة ظروفها اليوم، فالتغيير الحقيقي يبدأ بسلوك الفرد للجماعة للمجموعة حتى يعمم على مستوى متقدم، يساعد بتوجيه بوصلة التقدم والانتاج، وسيلة جديرة بالتقدير تنقلنا من ساحة المراقب والمنتقد إلى مصفوفة المنتج والعامل وللحديث بقية.