في لبنان ومنه..مرّة أُخرى يأتي الخبَر,إذ بعد أربعة اشهر على إغلاق أكثر المؤسسات الصحفية شُهرَة,وهي دار الصيّاد"بما كانت تُمثلِه ويَصدر عنها من مطبوعات,كصحيفة الأنوار اليومية ومجلات كالصيّاد واخرى فَنِية وثالثة مُنوّعة,وما طرأ على صحيفة «الحياة» ذات المنشأ والنكهَة اللبنانية,بتحوّل ملكيتها الى ناشر سعودي اكتفى مُؤخّراً بتحويلها الى موقع الكتروني،فضلاً عمّا سبقها من اختفاء صحيفة"السفير» بكل ما لعبته من ادوار وما تبنّته من مواقف سياسية وانحيازات واضحة,ثم السرعة التي انهارت فيها التجربة المُتجدّدة لصحيفة «الاتحاد» التي اراد احد الصحفيين اللبنانيين المخضرمين (مصطفى ناصِر) خوض مغامَرتِها, فاذا بالموت يُنهي هذه المحاولة, التي واجَهَت صعوبات وتعثّر بعد انطلاقاتها بأسابيع معدودة.
الآن فاجأت الجميع صحيفة «المُستقبَل» المملوكة من رئيس حكومة لبنان المكلف سعد الحريري, بالاعلان عن توقّفها اعتباراً من الاول من شباط المقبل, والتحوّل الى منصة رقمِية كاملة, تَرُوج شائعات انها ستشمل محطة التلفزيون التي تحمل الاسم نفسه, كذلك موقع «تيار المُستقبل", الحزب الذي أسسه والده رفيق الحريري (كما الصحيفة التي رأت النور في العام 1999). ما يعني أن الموقع الالكتروني هذا,سيكون الوسيلة والواسطة التي يُخاطِب بها وعبرها جمهوره واللبنانيين,ما يستدعي التساؤل عن سر هذه التحوّلات التي بدأت تضرب الجسم الصحافي في هذا البلد العربي الذي كان عنوان الصحافة وواجهة الأقلام,الذي تطلّعت اليه عواصم عربية ومحاور إقليمية ودولية,من اجل «الفوز"بصحيفة مطبوعة,تنطق باسمه او تُروّج له. وبخاصة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي,قبل ان يُشعل الإنعزاليون والمُتصهينون اللبنانيون بدعم من بعض العرب,الحرب الاهلية. ما أدى الى"هِجرة» مطبوعات لبنانية,ادت دورها وانتعشت وبخاصة بعد صعود وتسيّد موجة البترودولار,الى ان «قَضَت» عليها تحوّلات حقبة التسعينيات ووقف التمويل,وغيرها مما حفِلت بها وقائع ومسيرة الصحافة العربية المُهاجِرة وبخاصة اللبنانية منها.التي لم يعد بعضها يجد من يُموّله او يحفل بمواقفه وعناوين صحيفته,فانتهت به الحال الى الإفلاس او الاكتفاء بطباعة أعداد محدودة في انتظار مُعجزة ما.
أياً كانت الانتقادات والملاحظات القاسية او تلك التهكُّمية,التي يُسارِع البعض الى توجيهها للصحافة المطبوعة,وخصوصاً في اتّكاء هؤلاء على هيمنة وسيطرة وسائط التواصل الاجتماعي,وسطوة المواقع والمنصات الالكترونية، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الفضائيات،إلاّ ان احداً لا يستطيع إنكار ما لعبته وما تلعبه الصحافة المطبوعة,وما تتوفر عليه من امكانات وقدرة على جذب القارئ والمُعلِن.رغم كل ما يُقال عن تراجُع اعداد هؤلاء.
كما انه وفي بلادنا العربية ومعظم دول العالم الثالث،ما يزال لهذه «الوسائط» المكانة والدور,اللذيْن لا يمكن الاستغناء عنهما في ايصال المعلومة ونقل الخبر,والتواصُل مع قاعدة عريضة ومؤثرة افقياً وعامودياً، ليس بالامكان تجاهلها,وإن كان البعض وبخاصة في الاردن,يلجأ للتقليل من شأنها,ادعاءً منه وزعماً بحرصٍ مشكوكٍ فيه على المال العام/الحكومة,التي يتوجّب ان تكون في مقدمة الذين يُطالبون وينادون بإنقاذ الصحافة المطبوعة في بلدنا,بعد أن وصلت حافة الهاوية وباتت في أوضاع مالية لا تُحسَد عليها.
سيختلف كثيرون في توصيف وتحديد الأسباب التي أوصَلَت صحافتنا المقروءة الى ما هي عليه الآن، إلاّ ان احداً لا يستطيع إنكار أن التدخّلات الحكومية في بعض بل معظم المراحل, في بعض الصحف,قد أسهم ضمن أمور اخرى في عدم استقرار بل واضطراب اوضاع هذه المؤسسات.التي لا تكاد إدارتها الجديدة المُعَينة (بافتراض كفاءتها) تسعى الى وضع خطط للنهوض او تحديث او عصرنة أو ترشيد مصروفاتها وتجديد خطابها وطرائق عملها,فاذا بها تُصرَف لصالح «ادارات» جديدة ليس بالضرورة ان تكون كفؤة او مِهنية او تتوفر على رؤية وقدرات وإمكانات,لإصلاح الأعطاب والإختلالات بل والخطايا التي كانت ارتكبتها إدارات سابقة.
يُحسن أصحاب القرار في بلدنا...صُنعاً,اذا ما أولوا اهتماماً معقولاً بالاوضاع التي هي عليه الان صحافتنا المطبوعة,ولن يكون في مصلحة احد استمرار حال التعثّر والعسرة التي تعيشها المؤسسات الصحافية,لان الإنهيار,بكل ما يترتّب عليه من أكلاف مادية ومعنوية ومرارات,هو النتيجة الحتمية لمواصَلة صرف النظر أو اللامبالاة,إزاء هذه الازمة المتفاقمة التي تعصف بها.
يبقى السؤال:ما هي بالفعل..المَصلَحة الوطنية في حدوث ذلك؟