الحرية وبذور عباد الشمس !!
11:00 13-1-2019
آخر تعديل :
الأحد
جدار ترمب شغل العالم أكثر من جدار برلين، فهو جدار يرمز لعنصرية الرجل الأبيض، امتد إلى الداخل الأميركي وتحوّل إلى ازمة انقسم حولها المجتمع الأميركي بكامله ، وكان من نتائجه الأغلاق الحكومي.
مشكلة ترمب ثقته الزائدة بنفسه ، خصوصا أن ارادته القوية اقحمت نفسها محل العقل فكان هذا العناد الذي احدث الفوضى في داخل الولايات المتحدة ، وفي علاقاتها الخارجية السياسية والاقتصادية ، وقبل كل شيء انعش ترمب ، بجداره وعناده ، مشاعر الكراهية في نفوس المحافظين العنصريين، الذين يرفضون الآخر، مع ضرورة التذكير بأن كل سكان الولايات المتحدة هم من المهاجرين باستثناء السكان الأصليين من بقايا قبائل الهنود الحمر.
لا اعتقد أن المهاجرين الذين يعبرون الحدود ، ومزقت الاسلاك الشائكة اجسادهم ، جاءوا بحثا عن الحرية والديمقراطية في أميركا ، بل تسللوا للعمل باجور رخيصة ليحصلوا على قوت يومهم ، في حين يذهب الأثرياء من الأميركيين لشراء القصور والبيوت الفخمة على الشواطئ الدافئة في المكسيك ، واعتقد أن الدول الفقيرة هي نتاج سياسات اقتصادية فرضتها ومارستها اميركا والدول الصناعية الرأسمالية الكبرى على الدول النامية والفقيرة بواسطة صندوق النقد والبنك الدولي، بعدما نهبت الدول الاستعمارية القديمة والجديدة ثروات هذه الشعوب، وأغرقت دولها بالديون والفساد ، وبالتالي صادرت قراراتها السيادية. وكما في الولايات المتحدة كذلك الحال في اوروبا ، الذين يركبون البحر من فقراء افريقيا واسيا ، يغرق بعضم في عتمة البحر ، ويصل من بقي الى البر الاوروبي ، يحملون اجسادهم المتعبة وامعاءهم الخاوية ، واحلامهم بالحصول على حياة أفضل ، ولكن ينتهي بهم المطاف في معسكرات مغلقة وطريق مسدود ، لأن الفوضى الأقتصادية السائدة وفوبيا الارهاب اربكت اوروبا ايضا وهي تعاني اليوم من الفوضى الاقتصادية والتلاعب بالعملات وقرارات ترمب حول التجارة والصناعة.
وبمناسبة ذكر اوروبا ، فدولها لم تقصّر في اضطهاد الشعوب في زمن المد الاستعماري حيث نهبت ثروات الدول النامية البكر الخاضعة للاستعمار أو الانتداب في اسيا وافريقيا ، وعندما انسحبت من هذه الدول منحتها استقلالا شكليا ، وعينّت حكاما يؤمنون بالتبعية ، بحيث ظلت الأنظمة مرتبطة سياسيا واقتصاديا بالدول الأجنبية المستعرة ، اضافة الى اغراق الدول الفقيرة بالديون ، لذلك ، وفي ظل الوضع الاوروبي الراهن ، لا ارى أن المهاجرين سيحققون احلامهم بالحرية والحياة الأفضل لأن معظم الدول الاوروبية تعاني من ازمات اقتصادية ومن البطالة.
هذا الواقع يذكرني بسيدة يسارية مثقفة اشترت ببغاء ووضعته في قفص علقته في حديقة منزلها ووفرت له الطعام والماء ، وعلمته ترديد بعض الكلمات مثل "صباح الخير" وغيرها من العبارات التي ظل يرددها استجابة لرغبة صاحبته واسترضائها.
وفي يوم ربيعي مشمس قررت السيدة اطلاق سراح الببغاء ، لإيمانها بالحرية على الطريقة الماركسية ، ففتحت باب القفص وانطلق الببغاء يرفرف بجناحية في الفضاء الواسع. ولكن في صباح اليوم التالي استيقظت لتسمع الببغاء يصيح لها " صباح الخير"، كانت مفاجأة غير مفهومة ولم تستوعب الحكمة منها. كان الببغاء فرحا بعودته ، يلتهم بقايا بذور عباد الشمس داخل القفص ، فقد تنازل عن حريته من اجل قوت يومه ، ولكن ماذا يحدث لو خسر حريته وقوته معا ؟ هذه هي المسألة..