أبواب -خولة أبوقورة
تجلس زينة ذات السبعة أعوام شاردة الذهن داخل الغرفة الصفية ،مما أثار حفيظة معلمتها التي بدورها استعانت بشقيقتها التي تكبرها بستة أعوام بغية معرفة،إذا ما كانت تواجه مشاكل داخل أسرتها .
المعلمة توصلت إلى ما كانت تتوقعه سابقاً حيث أن شرود زينة وعدم تركيزها داخل الغرفة الصفية يعود إلى خلافات عائلية متكررة ومن أهمها تعرض والدتها للضرب من قبل والدها،الأمر الذي دعا (الأم) الى ترك المنزل ،وبقاء الأسرة مع والدهم الذي يعتدي عليهم بالضرب .
حالة زينة ليست الوحيدة بل واحدة من مئات القصص التي تعكس مدى المعاناة النفسية الناجمة عن عدم توفر بيئة أسرية آمنة ،ما يولد تداعيات سلبية كثيرة على الاطفال ،و الذي ينعكس على حياتهم اليومية و يجعلهم يواجهون تحديات عديدة .
العنف ضد الاطفال ..دوافع متعددة
يشير مدير إدارة حماية الأسرة في مديرية الأمن العام العقيد فخري القطارنة إلى " أن الدراسات والأبحاث الدولية تبين تزايد حجم و أنماط ظاهرة العنف ضد الأطفال وتؤكد بتأثير هذه الظاهرة عليهم أكثر من أي فئة أخرى نتيجة تفاقم حدة العنف في المجتمعات ودور الاعلام في عرض مشاهده. "
ويضيف القطارنة" إن الدراسات حددت الفئات العمرية الأكثر عرضة للعنف من الأطفال ذوي الإعاقة، والمشردين وعمالة الاطفال والفتيات، والأطفال المنتمون إلى المجتمعات المهمشة أو النائية، وبالرغم من التغيرات والتحولات التي طرأت على شكل الأسرة وتركيبها فما زال التغيير محدوداً جدا في مسألة التمييز بين الذكور والإناث."
ويعزو القطارنة انتشار العنف ضد الأطفال لاسباب اقتصادية وتتعلق بالظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها الأسر والتي ترجع إلى تزايد معدلات الفقر والبطالة, وأخرى اجتماعية ترتبط بالتفكك الأسري، والخلافات الزوجية والصراع الأسري، وكبر حجم الأسر،وتعدد الزوجات"
ويضيف " كما يعود العنف ضد الاطفال إلى المفاهيم الثقافية السائدة، والمرتبطة بالمعتقدات حول أساليب التنشئة السائدة والتي تقوم على افتراض مؤداه أن التربية الصالحة تتطلب استخدام قدر من العقاب سواء الجسدي أو اللفظي، ولا تتوقف أن مظاهر العنف داخل المنزل عند هذا الحد بل تصل في بعض الأحيان إلى الاعتداء الجنسي.
ويتابع القطارنة "إن غياب الوعي بأساليب التنشئة السليمة, ودور وسائل الإعلام في بث البرامج التي تشجع على العنف، إضافة الى قصور التشريعات الوطنية المعنية بحماية الطفولة، وعدم تفعيل القوانين، وغياب إلزامية التبليغ تساهم ايضا في ازدياد ذلك".
وترى أستاذة علم النفس التربوي بجامعة البلقاء التطبيقية الدكتورة منى أبو طه أن "البيئة الآمنة تقوم على توفير احتياجات ومتطلبات نمائية للأفراد في كافة جوانب حياتهم الاجتماعية والمعرفية والنفسية والأخلاقية والصحية والقانونية والعملية وغيرها من الأمور التي تصب في مصلحة الفرد .
من جانبها، تقول أستاذة أصول التربية سعاد ملكاوي ان البيئة الخالية من أنواع العنف والخوف، يعيش الأفراد بها بإطار ديموقراطي حواري نقاشي ، من خلال اهتمام الوالدين بتنمية جوانب التفكير المنطقي والإبداع لدى أطفالهم .
وتضيف ملكاوي "من أهم القضايا المطروحة لتحقيق البيئة الآمنة هي توفير التربية الأمنية وتعزيز دور المدرسة والأسرة التي تعمل على إنشاء المواءمة بين سلوك الفرد من ناحية وتحقيق أمن المجتمع واستقراره من ناحية أخرى.
والتي تعد بعدا مهماً -بحسب ملكاوي -من أبعاد التربية بمعناها الشامل، والتي تهتم بإعداد الفرد من الناحية الأمنية لكي يتمكن من مجابهة الحياة، وهي طريقة في التنشئة الاجتماعية تقوم بها مؤسسات التنشئة الاجتماعية.
وتبين أبو طه قائلة " يبدأ الطفل منذ لحظة ولادته تفاعله مع المجتمع الخارجي من خلال أمه فيشعر بحضنها بالحماية والأمن . حيث تؤمن له احتياجاته من طعام ونظافة وحنان واهتمام وحوار فيشعر الطفل بقيمته وأنه محبوب ومرغوب أما البيئة التي يشعر فيها الطفل بأنه مرفوض وغير مقبول من الآخرين، سواء كان من الأبوين أو الأخوة , تؤدي إلى خلق شخصية عدائية ضد إخوته وزملائه والمجتمع فيما بعد.
وتتابع ابو طه "لتوفير البيئة النفسية والاجتماعية الآمنة الفاعلة للطفل في اسرته يجب المساواة بين الأطفال
وغرس الثقة بالنفس لديهم وتوفير الأمن النفسي,و المناخ الملائم في المنزل لاكتشاف الموهبة الكامنة لديهم".
وتضيف أبو طه" كما على الأهل تقبل القصور عند أطفالهم ، ومعالجة ذلك بأسلوب يتسم بالديمقراطية في الحوار."
وحثت أبو طه الآباء على تشجيع الأبناء حرية التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ومناقشة الأخطاء التي يرتكبونها معهم ووضع وسائل العقاب بالاتفاق مع الطفل."
مشيرة الى دور اولياء الامور بضرورة توفير الأدوات المختلفة التي تساعدهم على ممارسة أنشطة متنوعة تثير عجلة الابتكار لديهم وأن تزيد الأسرة من المكافآت والجوائز للنتائج الإبداعية لدى أطفالها."
وتؤكد ملكاوي على أهمية دور الأسرة في تنشئة الطفل "للأسرة دور جوهري في تنشئة الطفل تنشئة قوية و تكوين شخصيته بالطريقة الصحيحة، وتربيته على احترام الآخرين والأخلاق الحميدة فهذا الأساس الذي يجعله إنساناً سوياً ويحترم من حوله ويحافظ على وطنه ولا يثير العنف والشغب. وكذلك تنمية الفكر لدى الطفل ، فهذا يجعله يصبح فرداً متفوقاً ومبدعاً ويساعد في تنمية الوطن، و تعلمه قيم المواطنة وكيف يكون شخصاً منتمياً لوطنه ومحافظاً عليه.
البيئة المدرسية الامنة
يشير القطارنة إلى أن العنف بالمدارس " يعد إحدى القضايا التي دار حولها جدلا واسعا علي المستوى الدولي و يشمل العقاب البدني في المدارس والتهديد بأي شكل من أشكال الضرب، وكذلك التحقير، والسخرية، والإساءة اللفظية، والإهمال، حيث يمثل العنف في محيط المدرسة أحد الوسائل التربوية الشائعة،التي حازت هذه القضية على اهتمام الجهات المعنية في الآونة الأخيرة وذلك في ضوء تزايد نسبة الإبلاغ من قبل أولياء الأمور وكذلك في ضوء مراجعة معايير جودة العملية التربوية و التعليمية التي تقوم بها بعض الدول."
وتبين ملكاوي أهمية دور المدرسة في" توفير الأمن للطلاب داخل مدارسهم وتقليل مظاهر العنف والتنمر وتخفيف حدة تأثير المشكلات النفسية والاجتماعية لخلق نوع من التوازن بين الطلبة وثقافة المجتمع."
بدورها توصي أبو طه بضرورة توفير البيئة النفسية والاجتماعية الآمنة في الروضة والمدرسة ان على المربية أن تشجع الأطفال على التفرد وحب الاستطلاع وتنمية الجوانب الايجابية لدى الطالب عبر توفير البيئة المرنة التي تبرز القدرات والابتكارات وتمنحهم الاستقلالية.
وتشجع أبو طه"الأطفال على استخدام التكنولوجيا الحديثة، التي تحفز الجانب الابداعي، وتساعده على تنمية الإبداع في الرسم والموسيقى والعمل على دمجهم بالبيئة المحلية ، وتأسيس مفهوم العدالة ".
ودعت ابو طه ان على رياض الاطفال العمل على تنمية رغبات الأطفال من خلال ممارسة الأنشطة المختلفة ، و تشجعهم على الاستفسار والاستفهام واقتراح الحلول".
وتشير أبو طه الى ضرورة توفير الوسائل الثقافية والمادية لدى الأطفال واتسام المناخ الثقافي بالخبرة وعدم التميز كما على المربية تشجيع وعي حساسية الأطفال بالمثيرات البيئية."
و ترى ملكاوي أن للمدرسة دورا حيويا ومؤثرا في تعزيز التربية الأمنية" حيث تعد هي الجزء المكمل لدور الأسرة ، وتعمل على تكوين شخصية الطالب السوي القادر على تلقي التعليم الصحيح من المدرسة، في ضوء التحديات والصعوبات التي تواجه الطلبة في عصر التقدم التكنولوجي والثورة المعلوماتية."
وتتابع ملكاوي " لذلك على المدرسة مواصلة عملية التنشئة الاجتماعية، من أجل تكوين شخصية الطالب وإلمامه بما حوله. وربط الأنشطة التربوية والتعليمية بالجهود المجتمعية، حيث لا يمكن أن يتحقق الأمن إلا من خلال الاستفادة من وسائل التعليم ومزاياها وتأثيرها على الأبناء سواء في البيت أو المدرسة.
ووضعت ملكاوي تصورا لتحسين البيئة الآمنة عبر إعداد برنامج تربوي موجه للطلبة، مصمم بشكل علمي مدروس، يجب ان تصل الى مرحلة رياض الأطفال ومراحل التعليم الاساسي وصولاً للمرحلة الثانوية، مع مراعاة احتياجات كل مرحلة، وخصوصيتها. على أن يتضمن البرنامج محورا توعويا إرشاديا، ذا بعد هادف، وتعريف الطلبة بالأخطار التي تحيط بهم، وتعزيز الجانب الوقائي لديهم من خلال إرشادهم إلى الوسائل وذلك من خلال التعاون مع الجهات المعنية المسؤولة لإعداد أجيال واعية ومحصنة أمنياً وأخلاقياً.
توفير البيئة الآمنة للاطفال ..مسؤولية مشتركة
ويرى القطارنة أن مواجهة العنف من مسؤولية المجتمع باكمله، مشيرا الى دور الجهات الرسمية الدور الاكبر من خلال وضع السياسات التشريعات والعمل على متابعتها وتنفيذها و توفير الموارد الكفيلة بتنفيذ البرامج بحيث لا تتوقف تلك البرامج على مشروعات محدودة الزمن والنطاق وان تكون بشكل شمولي تحدده قوانين ناظمة.
ووفق القطارنة فان حق الطفل في الحماية يترتب عليه واجبات من قبل مكونات المجتمع المختلفة تتمثل في توفير ما يلزم من تدابير وآليات لوقاية الطفل وحمايته من كافة أشكال العنف أو الضرر أو الإساءة البدنية أو العقلية والإهمال أو المعاملة المنطوية على إهمال وإساءة المعاملة أو الاستغلال بما في ذلك العنف الجنسي.
مشيرا الى (المادة 3 /1 ) من اتفاقية حقوق الطفل الدولية (والمادة 8/ج ) من مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن العدالة فيما يتعلق بالأطفال ضحايا الجريمة والشهود ، "فلكل طفل الحق بإعطاء مصلحته الفضلى الاعتبار الأول في جميع القرارات التي تمسه، وفي جميع الإجراءات التي يصبح فيها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر على تماس بمجريات نظام العدالة."
عناصر البيئة الحامية للأطفال
ويذكر القطارنة مجموعة من العناصر المرتبطة التي يجب ان تتضمنها البيئة الآمنة للأطفال وفق رؤية منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) "أولها التزام حكومي بحق الطفل بالحماية: إذ يعتبر التزام الحكومات بحماية الطفل عنصرا أساسيا من عناصر البيئة الحامية عبر توفير موارد ملاءمة لحماية الطفل و يشمل القادة السياسيين الذين عليهم أخذ المبادرة ورفع قضايا حماية الطفل على رأس اجندة الأولويات والعمل لكسب الدعم والتأييد لهذه القضية.
ويشير الى العنصر الثاني المتعلق بالتقاليد والأعراف الممارسات: فالمجتمعات التي تقبل عرفاً وقانوناً العقاب البدني الشديد لا تؤمن بيئة الحماية في حين إن المجتمعات التي تُحظّر فيها جميع أشكال العنف ضد الأطفال أو التي تحترم اعرافها وتقاليدها حقوق الأطفال تتوافر بها فرصة كبيرة لتأمين حماية أكبر للأطفال."
وحسب القطارنة فان الحوار المفتوح حول قضايا حماية الطفل يقوم على افساح المجال للاطفال للتعبير عن همومهم وقضاياهم بالاضافة الى تفعيل التشريعات وتطبيقها عبر وضع إطار تشريعي والتطبيق الحازم للقوانين والآليات الفعالة للمساءلة من العناصر الأساسية للبيئة الحامية.
وفيما يخص بناء القدرات يرى القطارنة ان المتعاملون مع الأطفال يحتاجون إلى بناء قدراتهم من معرفة ومهارات ومنحهم السلطة اللازمة لكي يكونوا قادرين على تشخيص مشاكل حماية الطفل والتعامل معها ويشمل ذلك الإباء والامهات والعاملين في القطاعات الاجتماعية والصحية والتعليمية وفي دوائر انفاذ وتطبيق القانون.
وبما يتعلق بالمراقبة واعداد التقاريريقول القطارنة تتطلب البيئة الحامية للأطفال وجود نظام فعال للمتابعة والمراقبة يتم من خلاله توثيق عدد الحالات وطبيعة الانتهاكات التي تقع على الأطفال ويفسح المجال لرسم السياسات بناء على المعلومات الموثقة إذ إن من مسؤولية الحكومة أن تعي وتعرف وضع اطفالها فيما يتعلق بالعنف والإساءة والاستغلال
ويشير القطارنة الى اهمية تقديم خدمات التعافي وإعادة الادماج: للأطفال ضحايا العنف الذين لهم الحق في الرعاية والخدمات الاجتماعية الأساسية دون أي نوع من التمييز.
البيئة الآمنة للأطفال .. ضرورة لتوفير سبل التنشئة السليمة
12:00 14-1-2019
آخر تعديل :
الاثنين