تجلس العجوز بين أبنائها وبناتها وأقاربها الذين تتعالى أصوات قهقاتهم وضحكاتهم عليها وهي تقوم بحركات لا تعيها لكبر سنها, ولا يقف الأمر عند ذلك الحد. حيث تمسك إحداهن هاتفها الذكي وتبدأ في تصويرها ونشر الفيديو دون أي اعتبار لتلك التي شاب شعرها وانحنى ظهرها في تربية ابنائها. فبدلا من احترامها اصبحت وسيلة للضحك والاستهزاء.
يصلنا عشرات الفيديوهات على هواتفنا الذكية التي يعرض فيها رجال ونساء كبار في السن تم تصويرهم من قبل أبنائهم أو أحفادهم وغيرهم بهدف الاستهزاء بهم والضحك عليهم ونشر هذه الفيديوهات دون أي احترام لقدرهم وكبر سنهم وكرامتهم.
يستنكر أخصائي علم الاجتماع الدكتور فيصل الغرايبة هذه الأفعال قائلا: «إن كبار السن من آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا لهم علينا واجب رعايتهم والاهتمام بهم وتسهيل الحياة عليهم سواء أكانوا أصحاء أو يشكون من ألم عارض أو مرض مستديم, فهم بحاجة لمد يد العون من الشباب المحيطين بهم وخاصة ضمن الأسرة الواحدة, لكن الأمر لا يستقيم عند جميع الشباب وخاصة أبناء الجيل الجديد , حيث نلاحظ عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعض الصور أو الفيديوهات التي تظهر هؤلاء المسنين بصور غير لائقة لجعلهم محط سخرية واستهزاء من الآخرين بسبب عجزهم أو خرفهم او ضعف قدراتهم العقلية او الجسدية, وهذا تصرف غير لائق وسلوك مستهجن بحق هؤلاء الذين لهم فضل علينا ومن واجبنا أن نستمع إليهم ونستفيد من تجربتهم ونأخذ بنصائحهم بدل وضعهم موضع سخرية وفي ذلك زيادة في اللحمة والانسجام سواء داخل الأسرة أو خارجها في المجتمع المحلي. «وعلى هذا الأساس يطالب الغرايبة» وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة أن يكثروا من البرامج التي تشيد بدور المسنين وبأهمية هذه المرحلة من حياة الإنسان, وتبرز واجبات القادرين من الشباب والشابات على تقديم خدمات لهؤلاء المسنين ومساعدتهم في الأخذ بأسباب الحياة من المأكل والمشرب وغيرها من متطلبات الحياة. وكيف أن النظر إلى المسنين بوقار واحترام واجب على جميع من حولهم سواء الأقرباء أو الغرباء»
ويوضح أستاذ الشريعة في كلية الأميرة عالية الجامعية الدكتور علي محمد الهواري أصول التعامل مع الآخرين وخاصة كبار السن قائلا: «اعتنى الإسلام بالأخلاق وأولاها رعاية تامة لآثارها الطيبة على الأفراد والمجتمع وفي هذا السياق يقول الرسول صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
ويتابع الهواري «ومن الأخلاق الإسلامية احترام الأشخاص وتوقيرهم, وبخاصة كبار السن منهم, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا» وكبير السن المطلوب إلينا احترامه وتوقيره أباً أو أماً أو كليهما, أو قريبا أو فردا من أفراد الأمة الإسلامية, فكلهم يستحق الاحترام والتقدير على النحو التالي وجوب احترام الأبوين وتوقيرهما والقيام على شؤونهما وهذا داخل في بر الوالدين, وجوب احترام الأقارب والجيران وأفراد الأمة الإسلامية بإعطاء كل واحد منهم حقه الذي كفله له الإسلام»
ومن أخلاق الإسلام كما يذكرها الهواري «عدم غيبة المسلم ولا السخرية منه, ولا الاستهزاء, ولا شتمه قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ, وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»
وكذلك حفظ الأسرار التي يطلع الشخص عليها, وعدم إفشاء ما يحدث في المجالس لأن المجالس بالأمانات.
«ويبين الهواري الحكم الديني لنشر مثل هذه الصور والفيديوهات التي تقلل من قدر واحترام كبار السن وما يقوم به بعض الناس من مخالفة لقواعد الشريعة الإسلامية بعدم احترام وتوقير كبار السن وبخاصة الذين وصلوا الى أرذل العمر, فهو أمر مشين و لا يليق بمن يقوم به لأن فعله هذا مخالف للدين, وللعقل السليم, و المنطق السديد, فإن كان عدم الاحترام في حق الوالدين فهذا من باب عقوق الوالدين, وهذه مصيبة عظيمة, إن كان يضرهم فهذه إساءة بالغة لهم, يجب صيانتهم عنها ويزداد الأمر سوءاً عند قيام الناس بتصوير كبار السن وبخاصة من قدر الله أن يكونوا من أرذل العمر, ومصابون بالنسيان, ولا يتحكمون بتصرفاتهم , وبث هذه الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث يصبح كبار السن مثارا للسخرية والاستهزاء, وهذه إهانة كبيرة لا ينبغي لعاقل أن يقوم بها, ومن يقوم بها آثم مرتكب للحرام , لأنه فضح أسرار هؤلاء الناس الذين سترهم الله تعالى, وانتهك خصوصيتهم, خاصة بأن هذا يتم بغير علمهم وهذا إثم كبير, وبلاء عظيم على فاعله أن يتوب إلى الله تعالى ويستغفره على هذا الذنب العظيم والعمل الشائن.
«وفي ذات السياق ترى الخبيرة في حقوق الإنسان المحامية رحاب قدومي أن الأساس في التعامل الخوف من الله» فهناك حكمة تقول (رأس الحكمة مخافة الله ), فالقرآن الكريم أوصى بكبار السن و هناك أكثر من آية قرآنية تدل على ان رضا الله من رضا الوالدين «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا»
وتذكر قدومي حقوق المسنين القانونية التي تحفظ كرامتهم «أما من الناحية القانونية فجميع المواثيق والاتفاقيات الدولية تؤكد الحفاظ على كرامة الإنسان بدءا بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤكد في ديباجته على حق كل إنسان أن يعيش بكرامة وكذلك المادة الخامسة من هذا الإعلان تؤكد بأنه لا يجوز الحط من كرامة الإنسان أو انتهاكها كما جاء بالعهدين الدوليين ما يؤكد على الحفاظ على كرامة الإنسان وعدم الحط منها أو انتهاك حقوقهم والمسنين هم أولى الناس بالحفاظ على كرامتهم.»
وتتابع القدومي «أما بالنسبة للتشريعات الوطنية فقد جاء بقانون الأحوال الشخصية بنودا تؤكد على الحفاظ على كرامة هؤلاء حيث جاء بالقانون للزوجة الحق بالسكن لوحدها ولا يجوز للزوج إسكان احد باستثناء والديه كما يلزم القانون الابن بالإنفاق على والديه الفقيرين وغير القادرين ماديا فجميع التشريعات سواء الدولية أو المحلية توصي بالحفاظ على كرامة المسنين وحقوقهم وعدم انتهاكها.»
وتؤكد قدومي على أهمية احترام كبار السن» عندما نتكلم عن كبار السن علينا ان نقدم كل الاحترام والتقدير لهؤلاء الذين قاموا بتربيتنا وتعليمنا وبالمقابل من حقهم القيام برعايتهم والحفاظ على كرامتهم مهما كان تصرفاتهم فعلينا ان نتذكر دائما انهم من وضعونا على الطريق السليم بهذه الحياة بما قدموه لنا من عطاء وتضحية لبناء مستقبلنا.