كتاب

المتشائل وسياسة «لعم»!

عندما عبرت البوابة الفاصلة بين التقاء زمنين قبل أيام قليلة، كنت كغيري، نحمل أحلاما وآمالا جديدة لعل ّ المرحلة الجديدة تكون مرحلة عام خير وتغيير من أجل مستقبل عربي افضل. لكن لا اريد ان أخدع نفسي أو أكذب على أحد ، فأكتفي بالقول انني متشائل تجنبا للوقوع في احتمال الخطأ وان كنت ارى في انعطافة دمشق التاريخية وصمودها شيئا من الأمل بعودة عربية الى صواب القلب والعقل.

لا ابالغ اذا قلت لكم أنني اجلس طوال الوقت امام شاشة التلفزيون بانتظار شيء ما ، يسعد القلب ويعيد الروح ويبعث الأمل في نفس كل عربي، بعد فشل كل المشروعات والخطط المشبوهة. اتابع الاخبار والتطورات بلا حياد ،لأنني في قلب معركة اللغة والكلمة المقاومة للظلم والاحتلال التي تحركها الذاكرة الملتزمة بالهوية العربية والقضايا القومية.

في الأخبار، استوقفني خبر بثته فضائية عربية يتحدث عن معرض في متحف إسرائيلي يعرض الآثار الفلسطينية التي سرقها الاحتلال خلال عمليات تنقيب غير شرعية ومخالفة لكل القوانين الدولية، الى جانب آثار عربية تسربت الى اسرائيل. هم يحتلون الارض ويسطون على الذاكرة ويسرقون التاريخ ، بعد فشل الصهيونية في انتزاع القضية الفلسطينية من الذاكرة العربية ، وبعدما فشل الاسرائيليون في العثور على اثر يشي بوجودهم أو يمنحهم الحق بتحويل الخرافة الى واقع وحقيقة.

هذا الخبر ذكرني بالشاب الدرزي الفلسطيني العربي كمال زيدان من بلدة «عين جن» الذي قال في اعلان رفضه الخدمة العسكرية في الجيش الاسرائيلي، والذي تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي ، أنه من فلسطين ولون بشرته من ترابها ، يعشقها ويحبها، وأنه كعربي يرفض القتال ضد ابناء امته، وكفلسطيني يرفض القتال ضد ابناء شعبه، ودرزي يرفض أن يكون من «المرتزقة» يخدم في جيش الدولة اليهودية وعصاباتها التي احتلت أرض فلسطين وسرقت حياة شعبها وماضيه وحاضره وتاريخه.

اكتب عن كمال زيدان لأنني شعرت أن هذه الكلمات مشبعة بروح الشاعر المقاوم سميح القاسم، ولأنني عشت مرحلة من طفولتي في بلدته «بيت جن» في الجليل، ومشيت في طرقاتها وشربت من مائها، ولعبت مع اطفالها، وبالتالي هي اعلى بلدة في فلسطين التاريخية. وهنا اذكر أن والد كمال واسمه يامن زيدان عاش تجربة كانت نقطة التحول في حياته ومعتقداته. يامن زيدان كان سجاّنا في الأمن الاسرائيلي خدم في السجن الذي تواجد فيه مروان البرغوثي وسمير قنطار، درس القانون واستقال من الخدمة وتحوّل الى محامي سمير قنطار، واصبح مدافعا عن حقوق الاسرى والمعتقلين وناشطا ضد تجنيد ابناء الطائفة الدرزية.

اليوم في السابع من كانون الاول من المتوقع أن يدخل كمال زيدان السجن بتهمة العصيان ورفض التجنيد. المسألة لم تعد قضية فردية فهي مؤشر بان قضية الشعب الفلسطيني ستخرج من واقعها الضيق لتشمل كل الشعب الفلسطيني داخل حدود فلسطين التاريخية ، وستعود القضية الى مربعها الاول لأن الواقع الفلسطيني الراهن، ما زال يراوح في مرحلة (لعم)، واعني لا احتلال كاملا، ولا استقلالا كاملا، وهي مرحلة مشبعة بالغموض والالتباس ، لأن الدولة الفلسطينية ما زالت نصا ادبيا كتبه الشاعر محمود درويش في اعلان الاستقلال والدولة ، ولكن من المتوقع أن يستعيد الشعب الفلسطيني في الداخل كل خياراته ، بعدما ضاق الفضاء..

m.yousefkawash@gmail.com