كتاب

«مِنبْج».. هل تُطيح «تحالفات» قائِمة وتَستولِد «مُعادلات» جديدة؟

لا مبالغة القول:ان حسم مصير ومستقبل «منبج» المدينة ذات الأغلبية العربية السورية,سيُحدّد مسار الازمة السورية ويُسهِم,ضمن امور اخرى في الإبقاء على او إطاحة بعض التحالفات والمعادلات,التي تبلّوَرت في السنوات الثلاث الاخيرة من عمر الازمة,وبخاصة ما استقرّت عليه العلاقات بين ثلاثي استانا:روسيا،ايران وتركيا.حيث الاخيرة تبدو وقد استمرأت دبلوماسية المراوغة والرقص على حِبال التناقضات والتوتر في العلاقات الاميركية الروسية,وتلك ذات الصلة بايران وتحديداً منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي مع طهران وعودة العقوبات على ذلك البلد،فضلاً عن شعور انقرة بفائض قوة مُستجِّد,بعد ان «أهداها» ترمب سوريا «كاملة».الامر الذي يستدعي التوقّف عند مدى وحجم ومساحة المناوَرة التي يقوم بها الرئيس التركي,عندما راهَن على استمرار»عِناد» كُرد سوريا,واتّكائِهم الساذج حتى لا نقول الغبيّ على اميركا,ورفضِهم التجاوب مع دعوات الدولة السورية لتفويت الفرصة على الغازي التركي,الذي استثمر طويلاً وكثيراً في حديثه عن الارهاب الكردي والمشروع الإنفصالي الكردي وغيرها من المُفردات واللغة المغسولة,التي تغرِف من معين الإرث العثماني وأطماعِه المعروفة في المنطقة العربية.

صحيح أيضاً ان موسكو التي استضافت يوم امس وفداً تركياً رفيع المستوى أتخذ صفة (2+2) ضم وزير خارجية ودفاع كل من البلدين إضافة الى الناطِقَينْ باسم الرئاستين الروسية والكردية،تبدو (موسكو) في وضع لا تُحسَد عليه,نظراً لحساسية المشهد الراهن الذي برز فجأة بعد قرار الرئيس الاميركي سحب قواته المُحتلّة من سوريا (وهو انسحاب لم يتم,بل هو أقرب الى المناوَرة وخلط الاوراق,منه الى اي شيء اخر)،إلاّ انها (موسكو دائماً) لا تستطيع الاستمرار في تبنّي «معادلتين» مُتناقِضتين,كما ظَهرَتا في تصريحين صدرا عن الكرملين ووزارة الخارجية.إذ قال الناطق باسم الرئيس الروسي: «ان دخول الجيش العربي السوري الى منبج «أمر إيجابي»وهو يسير في اتجاه استقرار الوضع», فيما كان رئيس الدبلوماسية الروسية لافروف يقول: «ان موسكو تنظُر الى العملية التركية «المُرتقَبة» شرقي الفرات,من منظور القضاء على الإرهاب ووحدة الاراضي السورية واستعادَة سيادتها».

ليس ثمة شك بأن محادثات يوم امس,قد أسّست لتفاهمات روسية تركية جديدة,ليس بالضرورة ان تكون اللغة التي صيغت بها تصريحات الجانبين قد عكستها تماماً,ربما بانتظار ما ستُسفر عنه القمة الثلاثية (الأخطر والاكثر حساسية في ما نحسب),التي ستُعقَد خلال الاسبوع الاول من العام الجديد في العاصمة الروسية بين بوتين، روحاني واردوغان.

حيث سيكون الأخير الذي «أجَّل»غَزوَته لمنبج,بعد «الصدمة» التي ألحقها به مشهد رفع العلم السوري في ريف منبج وعلى تخوم المدينة وخط الحدود السورية التركية،مُضطّراً (اردوغان) للإختيار بين السير في أوهام «الحرارة» او الدفء الذي عاد الى علاقاته مع واشنطن,او مواصَلة الاستثمار في مسار استانا,الذي سيُسهِم في تسريع حل الازمة السورية وتكريس وحدة الاراضي السورية تحت سيادة الدولة السورية،بعد فشل مخطط إسقاطها وتقسيمها,والذي كان مشروع كرد سوريا جُزءاً من هذا المخطط الذي داعَب مَخيلة بعض قادتهم,إذ ظنّوا ان الاحتماء بالامبريالي الاميركي وتصديق وعوده,كفيل بتجسيد أوهامهم بعد ان امتلكوا بعض الاسلحة وتوفّرت لهم الحماية الجوية الاميركية،لكنهم الان يحصدون ثمن سذاجتهم بعد ان تأخروا كثيراً وطويلاً,في استعادة وَعيَهم والايمان العميق والصادق بأنهم أبناء لوطن واحد اسمه..سورية.

ثمة ما يمكن رصده في سوء النيات الاميركية والتركية على حد سواء,والذي يتبدّى في ما هو مُعلَن (دع عنك ما تستبطِنه) من تصريحات وبيانات تَؤكِّد ضمن امور اخرى,نهج المراوغة واللعب على التناقضات وعدم تسليم واشنطن وخصوصاً انقرة,بسقوط وفشل وهزيمة مشروع اسقاط الدولة السورية وتقسيمها.إذ يقول بيان صادر عن وزارة الدفاع التركية:»ليس لوحدات حماية الشعب الحق او السلطة لدعوة عناصر اخرى لدخول منبج».ما يعني ان الدولة السورية في نظر الغازي التركي هي»عُنصر آخر»وليست صاحِبة السيادة على الاراضي التي احتلها الغزاة الاميركان,(كما الاتراك في عفرين وجرابلس وغيرهما بالطبع)،كما دعا بيان لتحالف الدولي (إقرأ الاميركي)»الجميع» الى احترام وحدة اراضي منبج وسلامة مواطنيها».وكأني به»خَجِل»بعض الشيء,وإلاّ كاد ان يُسمّيها دولة او كانتون او حاضِرة منبج,رافعاً الصِفة والسيادة السورية عنها.وبخاصة انه في بيانِه المَسموم هذا,»نفى» ان تكون هناك»تغييرات في الانتشار العسكري في منبج»,مُعتبِراً انه»غير صحيح اعلان قوات النظام دخولها الى المدينة»,تماماً كما كان اردوغان نفسه قد قال:ان اعلان الجيش السوري دخوله المدينة,لا يعدو كونه»عملية نَفسِية»,مُؤكّداً فخامته انه»ينوي تلقين الميليشيات الكردية «الدرس اللازم» و»مُصِرِّون على ذلك».ختم بغطرَسة واستِعلاء.

فهل يواصِل الرئيس اردوغان إصراره على غزو منبج؟وتوجيه جحافل جيشه الغازي لاحِقاً نحو كامل منطقة شرق الفرات,وصولاً الى الحدود العراقية؟أم أن «ظروفاً» ومعادلات قائِمة ستكبَحه,وتضع حداً لأحلامه التوسعية؟وتحبط بالتالي,مخططات جعل العراق وخصوصاً سوريا «مجالاً حيوياً» لتركيا.التي باتت لا ترى في هَذيْن القُطرَين العربيين سوى «امتداد لأمنها القومي»,دون اهتمام او احترام لسيادتهما ووحدة اراضيهما؟

...لن يطول الانتظار,لمعرِفة ما ستأتي به الايام القليلة...المُقبِلة.

kharroub@jpf.com.jo