كتاب

مَجمَع اللغة العربية الأردني.. بين أعماق الجذور ويانع الثمر

تنتعش الأرواح وتطمئن كلما وجدت نفسها بين يدي التراث، يربطها بتاريخ مضى وإنجازات تحققت، لتنطلق في رحلة الحياة آمنة مطمئنة، لا يضيرها كدّ ولا يوقفها تعب، بما تستمده من عزيمة ذلك التراث، لينير البصيرة ويجلو البصر.

وفي الوطن العربيّ الكبير، إرث ممتد إلى أعماق التاريخ، ورثناه كابرا عن كابر، وسامرا عن سامر، روته الأجداد فارتوت منه الأحفاد، نحمله بين أضلعنا ولا نملّ منه، فهو ثمرة الحياة وبدونه لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، ولعلّ أرومة ذلك الأرث ما نستمدّه من لغتنا التي إليها ننتسب، وبها نتكلم، وعنها ندافع، لغة تربطنا بكتاب ربّنا الذي شَرُفْنا به معاشرَ العرب، يوم نزل: (بلسان عربيّ مبين). كتاب يدوم وبدوامه يبقى اللسان العربيّ، ويبقى الذين يتكلمون العربية إلى يوم الدين لا ينقطع نسلهم ولو سالت الجبال أوديةً بنهَر.

ومع اللغة العربية عاش الأردنّ بين حريص وأشدّ حرصًا كرئتين يتنفس فصاحة ويكتب واضح البيان ويرتجل الخطابة نثرًا وشعرًا، فبرزت جهود خدمة هذا الإرث العظيم منذ لدن العقد الثالث من القرن الماضي، حيث بدأت نواة يحق لنا أن نفاخر التاريخ بها، ذلك يوم أن بدأت فكرة تشكيل: (المجمع العلمي في الشرق العربي) بأمر من سمو الأمير عبدالله المؤسس، عام: 1924م حيث أوعز إلى سماحة الشيخ/ سعيد الكرمي لرئاسة المجمع، ومن أعضائه: الفيلسوف التركي رضا توفيق، والشيخ/ مصطفى الغلاييني.

إلى أن جاء المرسوم المكيّ بإصدار: (قانون مجمع اللغة العربية الأردني)، في تاريخ: 2/6/1976م. بأمر من المغفور له الملك الحسين الباني، لتتشكل نواة بناء: (مجمع اللغة العربية الأردنيّ)، حيث بزغت فيه خدمة اللغة من جديد، في صرح علميّ شامخ شموخ جبال الأردنّ وجباه أبنائه.

ولمواكبة متطلبات الحضارة والمدنية والانفتاح الثقافيّ، تطور العمل بعد افتتاح المبنى الخاصّ بالمجمع، حيث ابتدأ العكوف على عمل الدراسات والأبحاث، المتضمنة السمات والصفات الراقية لأمّ اللغات وأفصحها قاطبة، فكم من ناهلة علم استقيناها من هذا المجمع وهو يقدمها لنا، وقد لا يعرف الناسُ تلك الجهود، ولكنّ اللهُ يعلمها، والتاريخ يسطرها.

فالأردنّ مع ما يحمله من رسالة إلى العالم، من سياسة حكيمة متزنة، وفكر سليم، جاءت خدمة اللغة بثمارها تعبق بفعل الكلمة، وعلى قدر الاسم للحرف فيها معنى، فجملة إعراب الأردنّ يفصح عن خدمة لتراث الأمة، وجنيٍ لثمارها لتكون الخبر لمبتدإٍ يسمو بنا في خطابٍ يسمعه العالم عن قضايانا بالعموم.

وإذا أردنا الحديث عن مجمع اللغة العربية الأردنيّ، فإننا نتكلم عن شخصيات عميقة بفكرها وثقافتها، تعمل بصمت مع الكلمة، وتتكلم بقمة التواضع، وهم من ذوي الشكيمة والعزيمة. فهناك أ.د. عبدالكريم خليفة، الذي تولى منصب رئيس المجمع من 1976-2015م ومن بعده تولى رئاسته: أ.د. خالد الكركي. ومن يدور في فلك هذا المجمع الذي يقدم لنا المؤتمرات والمحاضرات والإذاعة الراقية و(مجلة مجمعية) تعنى بشؤون اللغة في أعمق جذورها، وإصدارا بعنوان: الموسم الثقافي.

وفي اليوم العالمي للغة العربية، هل نستيقظ على اهتمام أوسع في تعريف أبنائنا ما ينبغي عليهم الاهتمام به؟، وهل سيكون مجمع اللغة العربية الأردنيّ الذي تناولته الصحف قبل قرن من الزمان يوم كان نواة قبل تطويره، على أنه سابقة في المشرق العربيّ، فهل سنتسابق على زيارته؟ وتعريف طلابنا وضيوف الأردنّ على هذا الصرح العلميّ المفتحة أبوابه أمام الناهلين من علوم العربية.

وفي الختام:

أولًا: قال لي وهو من أهل العلم والثقافة: (أنتم في الأردنّ أفصح الناس لهجة)، فقلت: هذا يثلج قلبي ولكن ما الدليل؟. قال: لو سمعت خطيبا يمكنك أن تحدد من لهجته من أي البلاد هو، إلا أهل الأردنّ.

ثانيًا: استوقفني وأنا أتصفح كتاب: (مجمع اللغة العربية في أربعين عاما) أنّ من بين الأعضاء، أصحاب تخصصات علمية، من أمثال: سعيد التلّ رياضيات ثم الفلسفة، إسحاق أحمد كيمياء ثم تربية، والفيزيائيّ: همام يشارة غصيب.

فذلك يعطينا حافزًا قويًّا للاعتناء بلغتنا العربية وأن نجني ثمارها ونقطفها لأجيال ترتقي بها، مباهاة في عالم المعرفة، ومفاخرة بإرث لا ينضب، فهنيئا لنا بلغتنا وبمجمع اللغة العربية الأردني، وكل عام واللغة العربية، وما تحمله من خير، بألف خير.

agaweed2007@yahoo.com