كتاب

في وداع رفيقة عمري ريما - في أربعينها

كانت ريما زوجة وحبيبة ورفيقة وصديقة وأما وسيدة فوق عادية: فعلى صعيد الأسرة كانت أما وزوجة مثالية، وعلى صعيد العمل كانت مرشدة تربوية لمدرسة جامعة اليرموك النموذجية مدة 20 عاما (1986-2016) نالت ثقة الطلبة وأهاليهم، قضينا معا في رفقة وصداقة ومحبة 42 عاما أنجبنا خلالها ثلاثة أبناء نعتز بهم حفظهم الله وباركهم: فارس ولارا ومنجد.

في أمريكا

بدأتُ عملي في جامعة اليرموك يوم افتتاحها عام 1976، وبعد ثلاثة شهور تزوجنا في 24/12/1976 ليلة عيد الميلاد المجيد: وتلتها سنوات نابضة بالتحديات: من اهمها سنوات اربع لدراسة الدكتوراه في جامعة واشنطن وهي واحدة من أرقى جامعات أمريكا رزقنا خلالها بولدينا فارس ولارا واسبغت عليهما ريما من حبها وحنانها الكثير الكثير، وساندتني في أحلك الساعات حتى عدنا للاردن.

في جامعة اليرموك

بعد ان عدنا رزقنا بابننا الثالث، منجد عام 1983. رفضت ريما ان تعمل وهي المؤهلة بدرجة ماجستير في التربية حتى دخل ابننا منجد روضة المدرسة النموذجية. وصدف ان أعلنت جامعة اليرموك عن شاغر (مرشدة تربوية لمدرسة اليرموك النموذجية) في ذلك العام- 1986، فتنافست في مسابقة شريفة مع (30) سيدة، وفازت عليهن جميعا، وكان ذلك بعد مقابلات مع اللجنة المختصة التي أجرت فحوصا في الشخصية واللغة الأنجليزية والعربية والخبرة (وكانت ريما قبل الزواج عملت في مدرسة راهبات الناصرة في جبل الحسين)، وكان ان عينت زوجتي ريما بعد نجاحها في المسابقة التنافسية مرشدة للمدرسة النموذجية التي تخرج منها أبناؤنا الثلاثة، واستمرت في عملها في المدرسة الى ان تقاعدت عام 2006، ورحلنا بعدها الى عمان لنكون بجوار الأهل قريبين اليهم في شيخوختهم ننال من بركاتهم ومحبتهم. ورحل والدي عن هذه الدنيا عام 2008 لكن استمتعنا اننا عايشناه عن قرب في أيامه الأخيرة.

المرشدة التربوية..والأم

في جامعة اليرموك التي عمل كلانا فيها ودرس أولادنا في مدرستها، عملت ريما الزوجة مرشدة للمدرسة النموذجية بجميع صفوفها الابتدائية والإعدادية والثانوية. وبشخصيتها المتكاملة حازت المربية ريما على ثقة الآباء والأمهات والطلاب والطالبات. كانت المدرسة مختلطة وتعاملت ريما بروح الأم مع الجميع: كما وتعاملت مع مشاكلهم بثقة المرشدة الخبيرة ذات العقل الراجح. ومع انها كانت تعود كل يوم مرهقة من ثقل العبء الملقى على كاهلها، الا انها كانت سعيدة بما تقدمه من عطاء للطلبة في المدرسة ، كبيرهم وصغيرهم. كانت ريما بحنكة علمية وبعاطفة الأم الحنون المحبة تحل المشكلات فيرضى منها جميع أطراف العلاقة: الطالب او الطالبة، والأهل، وإدارة المدرسة والجامعة. كانت تحمل هموم طلابها وطالباتها معها طيلة الوقت وتقدم لهم الارشاد والنصح بمحبة الأم والأخت والصديقة والمربية وبقلب كبير يتسع لهموم الجميع.

منزلنا..قلعتنا

في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي بنينا فيلا جميلة في اسكان العاملين لجامعة اليرموك بأراضي الحصن الشرقية في موقع مطل، وزرعت في حديقة المنزل المحيطة للمنزل مختلف الأشجار والأزهار التي أبقتني مشغولا في معظم اوقات فراغي. وقد قضينا في فيلتنا مع أولادنا أجمل الأوقات وأسعدها وكنت كل يوم أجلس وريما نتناول فنجان قهوة من صنع يديها على ترَس منزلنا ونتحدث بمختلف الأمور. وبقينا في ذلك المنزل الذي رافقتني ريما يوما بيوم ببنائه وهندسة محتوياته ورسمت على جدرانه لوحات جميلة بريشتها، بل وزينا البيت أيضا بلوحات من صنع يديها. كانت فنانة موهوبة حقا.

كان المنزل يبعد عن الجامعة حوالي 15 كم، فكنا نركب سيارة (الأوبل) صباحا مع الأولاد ونذهب للعمل. ولأن الرحلة كانت تستغرق حوالي عشرين دقيقة كنا نغتنمها للحديث بمختلف الأمور وأحيانا نسمع أناشيد أولادنا الصغار. وحين نغادر عند الثانية والنصف عصرا عائدين، كنا نتوقف في بلدة الحصن ونتبضع، ثم نواصل الرحلة الى منزلنا..قلعتنا (كما يقول الانجليز). وبعد ان نصل منزلنا كانت ريما ترتاح قليلا ثم تهب للعمل نساعدها قدر ما نستطيع. وكانت طيلة وقتها تتحدث الى اولادنا وتسبغ عليهم عطفها وتدرسهم وتستمع اليهم كصديقة محبة. وبقينا في ذلك المنزل حتى عام 2007 حين رحلنا الى عمان بعد تقاعد ريما مباشرة وبعد ان تخرج ابننا منجد من كلية الطب في جامعة العلوم والتكنولوجيا.

طوبى لأنقياء القلوب

كانت ريما صديقة وزوجة وأما ومرشدة عظيمة أحبها كل من عرفها: يوم العزاء جاءت الجارات والصديقات وزميلاتها من اربد الى قاعة قلب يسوع الأقدس حيث تقبلنا التعازي لمدة ثلاثة أيام. لم يحل بعد المسافة من قيام الصديقات والجارات الوفيات باستئجار باص حضرن به على مدار يومين. يا الله ما أجمل الوفاء. كرمنا كثيرين بتقديم تعازيهم بالزوجة طيبة النفس والروح. في رثائها لم نجد أحسن من الآية السماوية التي تعكس حقيقة ريما: «طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله». وحقا كانت سيدة نقية تقية تخاف الله في كل دقيقة من حياتها.

في أربعينها نقول: كانت ريما صديقة احترمها وأحبها من عرفها فكيف كان حالنا نحن أفراد اسرتها الذين عشنا معها اربعة عقود! ودعناها والعين تدمع والقلب يدمى والروح تتطلع الى العلا منحنية امام ارادة الاله. وها نحن نعزي نفوسنا المكتئبة باستذكار اللحظات الجميلة وما أكثرها. أقول لأولادي الثلاثة معزيا جرحهم النازف انا الأب الحزين والزوج المكلوم: انها ارادة الله التي لا ترد.. فلا يسعنا الا أن ننحني اجلالا لها.. فليرحمك الله يا ريما ، الأم والصديقة والزوجة الحبيبة، ويسبغ عليك وعلينا رحمته.. انه سميع مجيب الدعوات.