كتاب

«كاوبوي»..

في مرحلة الشقاوة والطيش كانت مشاهدة افلام الكاوبوي أي رعاة البقر ومنشأها هوليوود في احدى دور السينما القديمة في عمان من أبرز نشاطاتنا الاجتماعية الثقافية الاسبوعية شبه المقدسة!

كنا نندمج مع احداث المغامرات والمطاردات على ظهور الخيول في تلك الافلام لدرجة ان ارتبط شكل المحارب الهندي الاحمر في «لا وعينا» البريء بالاجرام والوحشية ، بينما ارتبط شكل وتصرفات راعي البقر الاشقر الوسيم بالشجاعة والايثار والحق والعدالة. كنا نحفظ اسماء الممثلين واسماءهم المستعارة في الفلم ايضا. أما الهندي الاحمر فهو شرير ومتوحش وبدون هوية!

كنا تفرح ونصفق عندما ينتصر راعي البقر ويردي خصمه قتيلا أو جريحا ونسمّيه البطل ، ونحزن ونتأفف اذا اقتنص هندي أحمر بأحد سهامه احد رعاة البقر وهو في طريقه في رحلة صيد أو استكشاف في البراري.

باختصار كنا نتعرض لعملية سحرية لا تقاوم لغسل دماغ ارادية من جانبنا ، لأننا كنا ندفع ثمنها من جيوبنا التي لم تكن تثقلها الا قطع العملة المعدنية ، فالورق كان من اختصاص الكبار والحكومة فقط!

للحقيقة والامانة الادبية يجب القول ان منتجي تلك الافلام لم يكونوا يفكرون بنا نحن ابناء المجتمعات الصغيرة النامية النائية بالنسبة لهم في تلك المرحلة ، ولم نكن على رأس أولوياتهم لا من الناحية المالية أو الفنية أو التاريخية ، مثلنا مثل القروي الساذج الذي ذهب الى المدينة للتبضع فوقع ضحية مخادعة لاعب الثلاث ورقات الذي لا يهمه الا سلب نقود غيره ! أما هدف منتجي تلك الافلام فكان تبرير عملية التطهير العرقي لأبناء جلدتهم من المتحضرين ضد الهنود الحمر سكان البلاد الاصلاء والتي مهدت بالتدريج لاقامة اقوى مجتمع استيطاني توسعي عرفته البشرية حتى الان , اضافة الى جني ملايين الدولارات وصناعة المجد والاساطير!

بعد عقود طويلة وعندما استقر الامر للشركات الهوليودية اعادوا الكرة مع تطور احداث الحرب العالمية الثانية ، ثم فعلوا نفس الشيء فيما يتعلق بحرب فيتنام.

ومنذ حوالي ربع قرن من الزمن وهم لا يتوقفون عن انتاج افلام على نموذج الكاوبوي الكلاسيكي مع فارق بسيط: اختفاء الهندي الاحمر الخارج عن القانون ليحل محله رجل ذو ملامح شرق اوسطية أو أسيوية قبيحة ولحية كثة وتصرفات فظة ، بينما الضحية ( الحقيقي أو المحتمل) هو الرجل الابيض الوسيم المتعلم صاحب المواهب المتعددة والمهارات القتالية الباهرة والمغامرات النسائية الملتهبة.

لعلنا لا نغفل فارقا أخر هاما يتعلق بالمتلقي والمشاهد المقصود من هذه الافلام الهولويودية والموجهة اليوم لأبناء كل المجتمعات في كل انحاء المعمورة.

اذ ان جوهر الصراع لم يتغير منذ بداية الزمان وهو القائم بين القوي المستأثر بكل الثروات والخيرات باسم الحضارة والعلم والمعرفة ، وبين الضعيف الجاهل ضحية ظروف طاغية قاهرة لا حول له ولا قوة ازاءها.

الاغلبية الساحقة من الرأي العام على اتساع الكرة الارضية اليوم هي ضحية عملية غسيل دماغ مشابهة بل مطابقة لما كان يحصل بالامس القريب.

وأهم أسباب ذلك لا يكمن في شح وجودة الانتاج المضاد او المقاوم فقط ، بل في عدم فهم واستيعاب سطوة وسائل الاعلام الحديثة ومنها صناعة الافلام والتلفزيون والعجز المطلق والمحزن عن مجاراتها.

لهذا كله نلاحظ على صعيد الشرق الاوسط بالذات كيف ان ما كان الرأي العالمي قبل 50 عاما يصنفه احتلالا اسرائيليا غير مشروع لاراض عربية اصبح يقبل به كمناطق متنازع عليها قابلة للتفاوض والمساومة الفوقية من جانب المحتل!