ما كان هدّد به رئيس السلطة المُنتهِية ولايته,بِحل المجلس التشريعي المُنتخَب «شعبيّاً» قبل ثلاثة عشر عاماً (25/1/2006) غدا أمراً واقعاً,وإن كان قراراً للمحكمة الدستورية لم يُنشَر رسمياً,اتّكأ عليه وأعلَنه الرئيس عباس شخصِياً أمام اجتماع لـِ»القيادة الفلسطينية»,ما يزيد من الإعتقاد بل الثقة بأن الامور في السلطة تجري وفق أُسس واعتبارات فردية وفصائِلية,اكثر مما تستنِد الى أعراف وتقاليد مؤسسات تلتزِم القانون الأساس الفلسطيني,الذي هو ــ من أَسف ـــ نِتاج اجتهادات وصِراعات ذات طابع فصائلي وآخر كيدي وشخصي,وثالِث يلحَظ استحقاقات اتفاقات وتحالفات إقليمية وخصوصاً ما فرضه اتفاق اوسلو من قيود على صانع القرار الفلسطيني(إن جاز الإفتراض أنه...»صانِع قرار»),الذي يحتمي بأغلبية «فصيلِه» أو «تراث» حركَتِه التي هي هنا»فَتح».
لم يَبقَ – في ما يبدو – في جعبة السلطة ورئيسها,مِن «الأوراق» لمحاصرة حماس وتحجيمها سوى ورقة الـ»حَلّ»,رغم ان المجلس التشريعي مَحلول بحكم الواقع ومُصاب بالشلل,بعد رفض جورج بوش الابن وحكومات العدو الصهيوني المتعاقِبة الاعتراف به أو التعامل معه,إثر فوز حماس بالمركز الاول,فضلا عن «العقوبات» التي أَوقعَتها السلطة نفسها بأعضاء المجلس,من تجميد رواتبهم الى رفع الحصانة عنهم وتعطيل جلساته,وغيرها مما أسهم في إضعاف وتهميش السلطة التشريعية الفلسطينية,التي لم يسلَم اعضاؤها – حتى من حركة فتح – من بطش الاحتلال وإذلاله وتنكيلِه.وها هي اليوم – مُمثَّلة بالمجلس التشريعي – تُقفَل أبوابها بقرار من محكمة دستورية,لا يعلم أحد مدى شرعية قيامِها والأسس التي تم اتّباعها في إشهارها والكيفية التي تصدر بها قراراتها,وما اذا كانت تلك القرارات قابِلة للاستئناف او الاعتراض او النقض,وغيرها من الأساليب والممارسات القانونية,التي تُسوِّغ تلك القرارات وتمنحها «الحصانة الدستورية».
ما علينا..
اكثر مما أثار الانتباه في إعلان الرئيس عباس حل المجلس التشريعي (استناداً لقرار المحكمة الدستورية كما قال),هو اقتران هذا الاعلان الدراماتيكي بسلسلة خطوات يعتزم عباس اللجوء اليها,وخصوصا ما كشفه عن إجراء انتخابات تشريعية خلال ستة اشهر،الامر الذي يثير المزيد من الأسئلة عما اذا كان يقصد ان تُرافِقها انتخابات رئاسية,وخصوصا انه فترته الرئاسية قد انتهت منذ أزيد من عشر سنوات؟وما اذا كان «مسموحاً»..إسرائيلياً وأميركياً لحماس المُشارَكة فيها؟وهل القرار – هنا – للسلطة ورئيسها ومجلسها المركزي الذي سيرث «دور» المجلس التشريعي المُنحلّ؟ بمعنى ما هو «رأيّ» حكومة الاحتلال وسيد البيت الابيض من هذه المشاركة الحمساوية (إن أُجيزت؟)وغيرها من الاسئلة التي نجزِم ان لا أجوبة عليها,كون الانتخابات العتيدة هذه»لن»تجري,وستكون موضع مساومة ومناكفات وكيد فصائلي,لإنتاج المزيد من التراشُق الاعلامي وتعميق الإنقسام والهروب الى الامام من استحقاق المُصالَحة,او اتّخاذ خطوات جادة في مواجهة الاحتلال,الذي يزداد شراسة وشَرَها في الاستيطان والتهويد والعنصرية,وقمع وإذلال وتقتيل للشعب الفلسطيني،غير آبه بـ»تهديدات» سلطة اسلو او تلويحها باللجوء إلى الأمم المتحدة,لنيل عضوية هيئات ووكالات أممية,فضلا عن تكرار عباس نفسه في معرض ابتهاجه ونشوته بقرار المحكمة الدستورية حلّ المجلس التشريعي,»تجديد»تهديده الذهاب الى مجلس الامن,لطلب الحماية الدولية للشعب الفلسطيني والحصول على»العضوية الكاملة» في الجمعية العامة.
رَفضُ حركة حماس قرار المحكمة الدستورية واعتبارها القرار المذكور «لا قيمة دستورية او قانونية» له،في الوقت نفسه الذي أكّدت فيه «جهوزيتها»واستعدادها لخوض الانتخابات العامة «الرئاسية» والمجلس «التشريعي والوطني»وبالتوافق الوطني,مُتشرِطَة «احترام حركة فتح نتائِجها,في الوقت ذاته الذي تعهّدت فيه (حماس) باحترام النتائج والالتزام بها والعمل وِفقها»،يكشف ضمن امور أخرى،ارتفاع منسوب «المناوَرة» والبراغماتِية لدى قيادة حماس في عهد اسماعيل هنية,على عكس عقلية التشاطُر والإستذكاء والمزايدة التي مَيّزت حقبة خالد مشعل وبطانته,في وقتٍ ذهبت فيه حركة فتح نحو مزيد من الإفلاس السياسي وغياب حسّ العمل المؤسّسي حتى المتواضِع منه,عندما وافقت أو صمتت(لا فرق) على حصر قرارها في يد رئيسها (الذي هو رئيس السلطة ومنظمة التحرير) وبعض المحيطين به,وبخاصة الذين قفزوا الى عضوية لجنتها المركزية، وبعضهم بات عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير مثل عزام الأحمد، الذي يتولّى ملف المصالحة,ولا يترك فرصة او مناسبة إلاّ لـِ»نَعْي» هذا المسار المُتعثِّر,وهو الذي خرج علينا «فجأة» وبعد قرار حل التشريعي ليقول:ان اتفاق اوسلو انتهى (مرتين).المرّة الاولى عندما تجاهلَته اسرائيل في بداية الانتفاضة الثانية،لكنه لم يقُل لنا عن المرة الثانية ولم يأتِ بذكر (لا هو ولا الرئيس)عن»مُستقبل»التنسيق الامني المُقدّس,وإن كان حديثهما يتركّز على تعديل او إلغاء اتفاق باريس (الاقتصادي),الذي نحسب ان اسرائيل ترفُض المسّ به أو حتى مُجرّد فَتحِه,كونه الأداة الأكثر فاعلية في يد الاحتلال (بعد اولوية التنسيق الامني وقداسَتِه) للضغط اقتصاديّاً وماليّاً على سلطة أوسلو وابتزازها.
خلاصة القول:ثمة مرحلة فلسطينية بائِسة أخرى من التراشُق والتخوين قد بدأت،في مؤشر على درجة الانحطاط وانعدام الأُفق التي بات عليها المشهد الفلسطيني الراهن,فيما يتواصَل الإستيطان وتتعمّق عمليات التهويد,ويأخذ المُتصهينون العرب الفرصة تلو الاخرى لتطبيع علاقاتهم مع العدو,وتتراجَع أهمية القضية الفلسطينية على جدول الأعمال الإقليمي والدولي.
**استدراك: أطرف ردود حركة حماس على قرار عباس حل المجلس التشريعي, قولها:ان القرار المذكور «يُنهي» التعدُّدية السياسية.فيما هي لم تُؤمِن ذات يوم بقيمة أو مصطلَح كهذا,طوال سيطرَتِها المُنفرِدة على قطاع غزة,دع عنك مُقارَفاتها في العمل السياسِي والنقابِي والجماهيرِي.