كتاب

لعبة تبادل الأدوار بين واشنطن وانقرة!!

عندما أعلن ترمب سحب قواته من الشمال السوري تحت عنوان الانتصار على داعش لم يصدقه أحد في الولايات المتحدة أو في خارجها، لأن الجميع يعرف أن قواته لم تهزم داعش، بل أمّنت لمسلحي التنظيمات الارهابية المتطرفة الحماية والدعم، وأن قواته هي التي منعت الجيش السوري من ملاحقة فلول المنظمات الارهابية المتواجدة في الشمال.

هناك من اعتقد أن الرئيس الأميركي أخذ قراره من أجل تعزيز شعبيته في بلاده تمهيدا لخوض معركة التمديد والتجديد بعد مضي عامين على تسلمه السلطة، ولكن الذين يتابعون التطورات يعرفون أن قراره واجه موجة من الاحتجاج السياسي والغضب الاعلامي الأميركي، خصوصا بعد استقالة وزير الدفاع ماتيس، الذي كان غائبا عن القرار اصلا.

الحقيقة ان نتائج قرار الانسحاب جاءت في غير مصلحة ترمب، فقراره لم يعزز شعبيته، كما لم يساعده على مواجهة حزمة من القضايا الداخلية والازمات الخارجية، بسبب انفراده في اتخاذ القرارات، وهيمنته الذاتية على السلطة، متجاوزا صلاحيات المؤسسات، ودورها في رسم سياسات الدولة في الداخل والخارج. كلنا نعرف ان قرار الانسحاب من شمال سوريا لم يكن مفاجئا، عكس ما اعلن، لأن الرئيس ترمب اعلن منذ بداية العام الحالي عن نيته سحب قواته من سوريا، وقال حينها إن على دول المنطقة أن تقوم بهذه المهمة، أو ان تدفع للولايات المتحدة كلفة البقاء في سوريا، ولكنه تردد في تنفيذ القرار، الى ان تأكد أن أحدا لن يدفع، لذلك اشار مؤخرا الى ان على تركيا اكمال المهمة، واعتقد أن هناك صفقة غير معلنة بين واشنطن وانقرة بشأن الانسحاب والدور التركي في الشمال السوري.

هكذا تخلت واشنطن عن حماية الأكراد لاستمالة تركيا، وهي ليست المرة الأولى التي تتخلى فيها واشنطن عن الحلفاء، فتاريخها حافل بهذه الانعطافات، لأنها تؤمن بنظرية لا صداقة دائمة بل مصالح دائمة، ويؤكد ذلك ما ذكره الوزير المستقيل ماتيس في استقالته حين قال إن: «على الولايات المتحدة ان تتعامل مع حلفائها باحترام». ولكن الغريب العجيب أن الدول المنافقة المتملقة لواشنطن والمعادية لسوريا، انتقدت الانسحاب الأميركي، وهي تعرف انها قوات احتلال وجودها غير شرعي، وفي مقدمتها فرنسا وبريطانيا.

أما دموع نتنياهو الحزين الغاضب بسبب الانسحاب فهي تعبّر عن بكاء ميكانيكي كاذب لأنه يعلم أن الولايات المتحدة ملتزمة بأمن اسرائيل قبل الحرب في سوريا وبعدها، لا شيء يتغير في هذا الموقف.

الحقيقة ان لا أحد يستطيع ان يعرف ما يبطن الرئيس الاميركي او يتنبأ بردود افعاله. ولكن الظاهر أن صراعا يدور بين موسكو وواشنطن حول جذب تركيا والتحالف معها، ويجب ان نعترف أن الرئيس اردوغان أثبت أنه لاعب سياسي بارع، خصوصا بعد تحركه باتجاه طهران بعد تحالفه مع موسكو، وهي رسالة واضحة موجهة للولايات المتحدة، لذلك لا نعرف حجم وشكل الصفقة التي تمت أو ستتم بين كل هذه الاطراف المتناقضة.

في كل الأحوال، مهما كان حجم الصفقة الغامضة في الشمال السوري، نحن على يقين بأن الجيش السوري سيواصل التقدم لتطهير وتحرير كامل التراب السوري من قوات الاحتلال وتنظيماتها الارهابية، ويحافظ على وحدة سوريا ارضا وشعبا.