حين أتأمل أدبيات «الاختلاف» لدينا كعرب، أرى أنها تكاد تكون غائبة أو مهمشة. لا حوار حرٌ دون أن «تتعادل فيه قامات الناس» كما يقول المفكر الراحل د. زكي نجيب محمود في كتابه «تجديد الفكر العربي». ص (30).
حوار مثقفينا غالباً تنقصه فلسفة «الاختلاف» وأدبياته. الكل يعتبر «الحوار» معركة، تتطلب استعراض العضلات واحتقار وجهة نظر الآخر دون سند علمي وموضوعي. أكاد أقول أن هذا حالنا العربي منذ أقدم العصور، ساعد على تكريسه الاستبداد الذي ساد هذه العصور. فالسلطة تؤيد من يناصرها في وجهة نظرها وإن كانت غير صائبة.
ثقافتنا العربية والإسلامية ظلت –ووفق كثير من المفكرين المعاصرين أمثال الراحلين د. خلدون النقيب ود. محمد عابد الجابري ود. زكي نجيب محمود وآخرين- «تعيد وتكرّر وتلخّص» دون أن ترتقي إلى الإبداع والتجديد.
وفي هذا السياق نقرأ للمفكر الراحل د. نصر حامد أبو زيد قوله في كتابه «التفكير في زمن التكفير» (مكتبة مدبولي، القاهرة، ص 12)، «كيف يُرجى ممن دأبهم الإعادة والتكرار والتلخيص الذي هو قرين التشويه منذ زمن طويل، أن يكونوا قادرين على الاختلاف والنقاش؟». دور الفقهاء في هذا المجال هو الذي عطّل التجديد والابتكار.
من هنا فإني أوافق ما ذكره الراحل د. محمد عابد الجابري حين ذكر في أحد مؤلفاته أن حضارتنا العربية الاسلامية هي «حضارة فقه». وعليه فهي منذ عصر التدوين حتى يومنا هذا لم يُضف إلى الثقافة العربية أي جديد يستحق الذكر.
أما المفكر الراحل د. خلدون النقيب فيؤيد ما ذكره د. الجابري: «لقد ظلت الثقافة العربية الإسلامية تعيد انتاج نفسها منذ عصر التدوين، لا تشكل «نقلة» تحوّل وتبدّل أو ثورة معرفية كتلك التي عرفها الغرب الرأسمالي الصناعي». (د. خلدون النقيب: الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، ص 38).
قلت إن الاستبداد والقمع السلطوي يقفان وراء ذلك. وهنا استذكر قامات حاولت أن تبدع وتجدّد وتثور على الواقع الشاذ أمثال أبو حيان التوحيدي وابن خلدون وغيرهما، ولكنهم قُمعوا وطوردوا لأنهم انتقدوا أوضاعاً مزرية في مجتمعاتهم. في كتابه الشهير «تجديد الفكر العربي»، ص 27، يقول د. زكي نجيب محمود: «نحن نميل إلى الدوران فيما قاله السَّلف وما أعادوه ألف ألف مرة، ولا أقول أنهم أعادوه بصور مختلفة، بل أعادوه بصورة واحدة تتكرر في مؤلفات كثيرة، فكلما مات مؤلف لبس ثوبه مؤلف آخر، وأطلق على مؤلفه اسماً جديداً. فَظُنَّ أن الطعام الواحد يصبح أطعمة كثيرة إذا تعددت له الأسماء».
وهنا أود أن أشير إلى أن المعترضين على وجهة النظر هذه يعتمدون «سلطة النصوص» في قراءتهم للتراث وغالبيتهم من الفقهاء الذين ينحكمون في مسار الثقافة.
وفي هذا السياق يضيف د. النقيب قائلاً في كتابه السابق: «إن ارتحال المثقف من الجاهلية إلى الوقت الحاضر لا يُشعره بأن هناك مسافة زمنية تفصله عن الأقدمين»!.
وهنا أسمح لنفسي أن أقول أن الفقهاء المسلمين –ولا أقول جميعهم- قد اوجدوا فجوة وتصادماً بين «العقل» و»النص» مُناهضين أي تمرد حتى لو كان مشروعاً على سلطة «النص».
وما هو مؤسف أن الكثير من مثقفينا المعاصرين سمحوا لبعض الفقهاء أن يكونوا «أوصياء» على فكرهم وكتاباتهم، فجاء هذا الفكر يكرر ما قاله القدماء أو يشرحه من دون أن يعمل على إضاءته ونقده بما يتواءم و»حداثة العصر».
وبعد، نحن كعرب بحاجة إلى عقلية جديدة تختلف عن العقلية السائدة التي رسختها أنظمة وبنى اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تؤمن بإحداث التطهير في هذه العقلية المهيمنة عربياً.
فلسفة «الاختلاف» لم نرتقِ إلى مستواها بعد!
11:00 21-12-2018
آخر تعديل :
الجمعة