كتاب

بين «اليد الخفية» واليد الخفيفة!!



كتبت، وكتبوا، عن نظريات وأفكار العالم الاجتماعي العربي ابن خلدون حول السلطة وإدارة الدولة في الأزمات الاقتصادية، وعن وجهة نظره حول سلبيات فرض الضرائب وزيادتها، وعيوب مد اليد على جيب المواطن في حالات الضيق.

اليوم أريد أن اكتب في الموضوع الاقتصادي لذلك قرأت الكثير عن فيلسوف الاقتصاد الحديث العالم الاسكتلندي آدم سميث، وعن نظرياته الاقتصادية وكتابه الأهم «ثروة الأمم»، لأن ليس لي علاقة بعلم الاقتصاد، ولا بعالم المال والأعمال.

الفيلسوف سميث عالم اقتصادي درس المنطق وعلم الاجتماع والفلسفة وهو مؤسس الاقتصاد الحديث القائم على المصلحة الفردية ومبدأ التنافس وحرية انسياب السلع «حرية التجارة الدولية»، وهي المدرسة التي منحت الرأسمالية زمام المبادرة وقيادة الاقتصاد العالمي من خلال طبقة الأغنياء التي مارست وتمارس ما أسماه كارل ماركس «ديكتاتورية البورجوازية»، التي تجاهلت حتمية الصراع بين الطبقات.

سميث يؤمن بأن من حق الفرد في المجتمع أن يسعى لتحقيق مصلحته الشخصية، ومن خلال هذه العملية يكون قد خدم المصلحة العامة، وهي العملية الانسيابية التي أسماها «اليد الخفية» وحاول تفسيرها في كتابه «ثروة الأمم». كذلك آمن بأن كل دولة قادرة على صناعة سلعة من مادة خام متوفرة لديها بكلفة أقل، واستيراد السلع الرخيصة من الدول الأخرى، لذلك دعا إلى حرية انسياب السلع عبر التجارة الدولية الحرة، وهي النظرية التي خدمت الدول الصناعية والرأسمالية، التي قضت على الصناعات الوطنية في الدول الفقيرة، واضرت بانتاجها الصناعي والزراعي والتجاري.

من الواضح أن سميث تجاهل «الفسادة الانساني»، وتحدث بإسهاب عن «اليد الخفية» دون انتباه الى «اليد الخفيفة» التي تمتد إلى ثروات الشعوب «المال العام» أي ممارسة الفساد الذي انتشر في العالم كما الطاعون عبر ثنايا الاقتصاد الرأسمالي الذي يشجع الثراء الشخصي على حساب المصلحة العامة.

اليد الخفيفة (الفساد) مصيبة كل الأمم والشعوب في الدول النامية، التي تواجه أزمات اقتصادية خانقة فرضتها هيمنة الدول الرأسمالية والصناعية الكبرى، إضافة الى غياب العدالة في توزيع الثروات، وهو الواقع الذي قضى على بقايا الطبقة الوسطى والفقيرة في المجتمعات، التي أرهقها فرض الضرائب وارتفاع الأسعار.

هذه الدول النامية، والأصح الفقيرة المحتاجة، غير قادرة على حل أزماتها، لأن انتاجها من الصناعة والزراعة غير قادر على منافسة انتاج الدول الغنية بسبب ارتفاع الكلفة، وبالتالي نرى أن هذه الدول عاجزة عن دعم صناعاتها وتعزيز انتاجها الزراعي، وتوسيع دائرة استثماراتها، لأن فرض المزيد من الضرائب والرسوم يقتل الاستثمار أو يطرده، ويحرم البلد القدرة على خلق فرص عمل جديدة، ويرفع من نسبة البطالة.

يبقى السؤال: ما هو الحل؟! ليس لهذا السؤال من جواب في الأفق القريب، ولا أعتقد أن آدم سميث، لو عاش في هذا الزمن، سيكون لديه الاجابة الصحيحة في ظل هذا الواقع!!

m.yousefkawash@gmail.com