يُفترض ان يكون وقف اطلاق النار في مدينتي الحديدة وتعز، الذي اعلنه المبعوث الدولي لليمن مارتن غريفيث، قد دخل مرحلة التنفيذ فجر اليوم، هذا إذا التزمت به «الأطراف» المُنخرطة في الحرب المدمرة المشتعلة على أرض اليمن منذ اربع سنوات تقريبا، والتي شكلت – وفق تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الانسانية والحقوقية – كارثة انسانية غير مسبوقة، ان لجهة الامراض والاوبئة التي تفتك باليمنيين ام المجاعة التي تعصف بالملايين الذين باتت اوراق الشجر هي غذاؤهم الرئيسي، بعد ان لم يعد في مقالِب النفايات ما يسد جوعهم.
ما تم التوصل اليه في جولة مفاوضات السويد «الاولى»، يندرج في اطار الحد الادنى بعد ان مُورست ضغوط مكثفة، لم يكن بامكان المجتمعين في ضواحي العاصمة السويدية مواصلة مُعارضتها وبخاصة انها اتفاقات ذات طابع مؤقت ولا تشكل اختراقا جديا، في جدار ازمة لم يعد بمقدور احد الزعم انها مجرد حرب يمنية – يمنية بين «متمردين على نظام شرعي»، كما جرى ويجري تسويق الحرب، بل ثمة اطراف ما تزال تتمسك برواية متهافتة كهذه، لكن مفاوضات السويد وضعت حدا – ولو مؤقتا – لها، عبر تحديد موعد لوقف اطلاق النار والزام القوات المتواجهة على جبهتي تعز وخصوصا الحديدة، احترام بنود اتفاق الحد الادنى الذي تم التوصل اليه، بعد عرقلة مُعلنة واخرى من خلف الكواليس وعبر تصريحات استفزازية مُشكّكة وثالثة تذهب في تفسيرات متباينة لبنود اتفاق، شكّل بداية معقولة لاجراءات بناء الثقة المفقودة بين «اطراف» الازمة، حتى لو بدت وكأنها بين طرفين يمنيين، الا انها لم تكن كذلك ولن تنتهي بهما، كما هو معروف لكل الدول والهيئات والمنظمات المنخرطة في ماراثون الوساطة، والذي هو بعيد جدا عن المائة متر الاخيرة من نهايته.
وإذ حاول طرفا التفاوض الايحاء بان الاتفاق الذي تم استيلاده (تحت الضغوط دائماً) قد جاء لصالح احدهما، وبدأت وسائل الاعلام الداعمة لكل منهما عملية تفسير – تبدو عبثية – بأنه بداية لتراجع او هزيمة الآخر، فان ما سيمنح صدقه ما لتفسير هذا الطرف او ذاك، هو ما سيحدث في «الميدان»، وبخاصة عندما تبدأ المجاميع العسكرية التي تحمل اسماء ومسميات تعكس ضمن امور اخرى، مدى انخراط الدول الاقليمية في تمويل وادارة حرب لا يتجاوز المرء حدود اللياقات اذا ما وصفها بانها حرب قذرة وكارثية ومأساة «متدحرجة»، ارجعت اليمن وشعبه الى عصور مظلمة يصعب عليه الخروج منها – اذا ما قُدِّر لهذه الحرب ان تنتهي – من خلال عقود مُقبلة.
لهذا، فان الرهان على قرار جديد من مجلس الامن يضاف الى سلسلة القرارات التي صدرت واشهرها القرار 2216، وما يتم تداوله من شروط واشتراطات بضرورة العودة (المستحيلة في ما نحسب) الى مخرجات الحوار الوطني والمبادرة الخليجية وغيرها من التوافقات السابقة، التي لم تجد طريقها الى التنفيذ وبخاصة تلك التي تمت قبل اندلاع الحرب في آذار2015، يبدو ساذجا وغير واقعي، اذا لم يتم وضع حد لعمليات الخرق او عدم الالتزام بوقف اطلاق النار، وخصوصا في ضرورة تحمل اي طرف لا يلتزم شروط وقف اطلاق النار ميدانيا وبخاصة في الحديدة (المدينة والميناء) المسؤولية عن الفشل فضلا عن تحديث المهمة الرئيسية لبعثة مراقبي الامم المتحدة والقوى الامنية الداخلية التي ستتولى الاشراف على الميناء وحفظ الامن في المدينة، ما يتطلب ابتعاد او انسحاب القوى المتقاتلة عن مواقعها الحالية الى خارج المدينة ومينائها، الذي هو في الأساس سبب حصار وقصف الحديدة ومينائها، حيث هدف المهاجمون برا وجوا وبحرا، الى قطع طريق الامداد الوحيد الذي يرفد محافظات اليمن باحتياجاتها، وبخاصة المعونات الانسانية التي تتولى منظمات الاغاثة الدولية تزويد اليمن بها في وقت «عزّ» فيه حدود العدم، «الكرم» العربي الذي نتغنى به كلامياً، ونجتر سرديات تاريخية مشكوك فيها تماماً، مقارنة بالمجاعات والعوز والخراب الذي يفتك بالمنطقة العربية وشعوبها المُفقرة والمقموعة.
من السابق لأوانه التفاؤل برؤية ضوء في نهاية النفق اليمني المظلم، الا ان ما يُمارس من ضغوط، وما نشهده من تحولات – ولو بطيئة – في مواقف عواصم اقليمية وخصوصا ما يصدر عن برلمانات وهيئات سياسية وحقوقية دولية، بدأت تعلن تبرمها ورفضها دعم او التغطية على ما يجري في اليمن، يشي بأن ثمة ما يمكن توقعه وان في حدود دنيا، قد تسمح به عملية انهاء هذه الحرب او اعلان هدنة ووقف اطلاق نار طويل الامد، يسمح لجولات جديدة من المفاوضات ان تتواصل، وان تجري عملية معقولة ومقبولة من اجراءات ثقة، سعت اطراف اقليمية واخرى دولية ان تكون «مفقودة» بين اليمنيين، بهدف تحقيق اهداف انانية خاصة بتلك الاطراف ولا تصب ابدا في صالح اليمن او اليمنيين، الذين عليهم وحدهم ان يقرروا «الصورة» التي يريدون ان يكون عليها وطنهم، وليس لاحد – مهما كان – ان يتدخل في شؤونهم او يجبرهم على القبول بحلول يرون انها لا تخدم مصالحهم وتنهي معاناتهم وعذاباتهم التي طالت، ولم يعد بمقدورهم تحمل المزيد منها خدمة لمصالح الآخرين وأطماعهم.