كتاب

عن هذا الغرب الاستعماري.. «المُنافق» والمُراوِغ

يقتضي الانصاف الاعتراف بأن الغرب الامبريالي في مراحل «تطوره» المتواصِلة منذ الثورة الصناعية الأولى حتى الآن، «منسجم» مع فكره وقناعاته وجذوره القائمة في الأساس على عقلية النهب والقتل والاستباحة، معتمدا في الدرجة الاولى على ثقافة استعلاء وعنصرية السيد الابيض الذي يرى في باقي اعراق المعمورة مجرد خدم وعبيد ومشاريع استخدام في مجالات شتى، لا يستهدف في النهاية سوى تعظيم الارباح ومراكمتها و»مصالحه» ايا كان شذوذها وخروجها على القانون الانساني والدولي وما يتعلق بحقوق الانسان، وفي مقدمتها حق تقرير المصير لا تتقدم عليها اي مصالح اخرى حتى لو استوجب ذلك الاجتياح، والغزو وتدمير اسباب الحياة في اي مكان على سطح الارض وخصوصا في التدخل الفظ المحمول على تهديد بالاستخدام المفرط للقوة في شؤون الدول الاخرى..

مناسبة الحديث هو ذلك التصريح غير المسبوق في حدته ودلالاته الذي اطلقه وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، طالب فيه الرئيس الاميركي دونالد ترمب بـ»عدم التدخل في السياسة الداخلية لبلاده».. مضيفا في مقابلة مع اذاعة وقناة وتلفزيونين فرنسيين (والرئيس الفرنسي ماكرون يبلغه ايضا) اننا لا نتدخل في السياسة الداخلية الاميركية ونتمنى ان يكون التعامل بالمثل».. مُعبِراً عن ضيق واضح اقرب الى الغضب..»نحن لا نتدخل في النقاش الداخلي الاميركي فاتركونا نَعِش حياتنا كأُمّة»... ولم يكتف بذلك بل ذهب بعيدا في تحذيره للرئيس الاميركي قائلاً: عليك ان تكون حذرا بشأن ما تقول»..

في الشكل كما في المضمون تبدو تصريحات الوزير الفرنسي غير المسبوقة صحيحة وقانونية وتعبيرا دقيقا عما يجب ان تكون عليه العلاقات بين دول مستقلة ذات سيادة، اما العصيّ على الفهم انما هي تلك الازدواجية التي تفوح منها رائحة النفاق والتي تستبطن في الوقت نفسه غطرسة واستعلاء وبخاصة عندما غاب عن ذهن حفيد الامبراطورية الفرنسية الغابرة كيف انه لم يسأل نفسه لماذا تتدخل بلاده في شؤون دول العالم الاخرى وسياساتها الداخلية كما الخارجية وبخاصة دول العالم الثالث التي لم تسلم – ربما – واحدة – منها من تدخل الثلاثي الامبريالي النشط (وإن كان ضلعاه الفرنسي والانجليزي يبدوان في وضع التبعية المطلقة لاستراتيجية «القائد»الاميركي) وبخاصة في منطقتنا، حيث لا يتورّع اي وزير او مسؤول من الدرجة الثانية (دع عنك رئيس الجمهورية مثل ساركوزي وهولاند وحاليا ماكرون ووزراء خارجيتهم) الى دعوة اي رئيس في تلك الدول للاستقالة او اضفاء عدم الشرعية عليه عندما يخرج (او يحاول) عن سياساتهم كما حدث وما يزال يحدث في بلاد العرب، مثل سوريا حيث القوات الفرنسية تشارك القوات الاميركية والبريطانية الغازية في احتلالها للاراضي السورية وفي شكل خارج بفظاظة عن القانون الدولي وبخاصة دورهم المشين في اسقاط نظام القذافي وتدمير اركان الدولة الليبية ونشر الفوضى فيها ناهيك عن دورهم في المأساة اليمنية المتواصلة كما كانت حالهم في العراق وأفغانستان وغيرها.

أما الغطرسة المجبولة بالنفاق فتتبدى بفظاظة في ما ذهب إليه وزير خارجية ترمب، مايك بومبيو، عندما وَصَف ارسال القاذفات الاستراتيجية الروسية من طراز «تو -160» وطائرتي «آن124» وإيل 62» بانه «هدر للمال» مُغرّداً على تويتر كما هي هواية «رئيسه المفضلة».. أرسلت الحكومة الروسية قاذفتين عبرتا نصف العالم الى فنزويلا (ينبغي) مضيفا في لهجة استكبار واملاء استعماريتين على شعبي روسيا وفنزويلا النظر الى ذلك على هذا النحو: حكومتان فاسدتان تُهدِران المال العام وتدوسان على الحرية بينما تعاني الشعوب في الدولتين».

ثمة ما يمكن قراءته في تغريدة الرئيس السابق لوكالة المخابرات الاميركية السابق (CIA) وهو حجم الغضب والذهول (ان جاز القول) اللذين استبدا برئيس الدبلوماسية الأميركية بعد هذا الحدث التاريخي الذي اعاد ضمن امور اخرى ولكن في ظروف مختلفة «المواجهة» التي لا تُنسى والتي كادت ان تأخذ العالم الى حرب نووية كارثية بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لولا المعالجة الذكية وربما الحكيمة التي افضت الى تسوية لا غالب ولا مغلوب بين موسكو وواشنطن بعد نصب الصواريخ السوفياتية عابرة القارات في كوبا وازالة الولايات المتحدة صواريخها النووية في بعض الدول المحيطة بالجمهوريات السوفياتية.

غضب اميركي عارم لا تخفي الغطرسة الامبريالية الاميركية المعروفة التي تعاني من تبعاتها معظم شعوب العالم بما فيها الدول الحليفة (والتابعة بالتأكيد) سواء كانت في حلف شمال الاطلسي ام تلك المنضوية تحت راية الاتحاد الاوروبي الذي «يحاربه» ترمب بلا هوادة وبأساليب ومقاربات لا تلحظ سوى المصالح الاميركية وتطبيقا لشعار ترمب الشهير والمترجم ميدانيا منذ عامين على وجوده في وظيفة «اميركا أولاً»..

هدر روسيا للمال هكذا يقول وزير خارجية دولة لها من القواعد العسكرية في غالبية دول العالم وجنودها كما اساطيلها البحرية متواجدون على اراضي وبحار الكون وميزانيتها العسكرية تناهز السبعمئة مليار دولار (679 مليار) بما يساوي ميزانيات دفاع ثلثي دول العالم فيما موازنة روسيا العسكرية (مُهدرة المال) لا تتجاوز السبعين مليار دولار فضلا عن ان واشنطن تواصل ابتزاز العالم التي تستضيف (...) قواعدها واساطيلها العسكرية لدفع «ثمن الحماية» التي تقدمها لها الجيوش الاميركية.

والاكثر خطورة ولفتا للانتباه هو ان المستر بومبيو «يأمر» للشعبين الروسي والفنزويلي بانه «ينبغي» عليهم ان يثوروا ضد حكومتي بلديهما الفاسدتين – أما الدول الفاسدة التي ترعاها واشنطن وتمولها والمغامرات العسكرية التي تخوضها الجيوش الاميركية في سوريا كما افغانستان والعراق وفوق وعلى اراضي دول اوروبا الشرقية فلا يندرج في اطار هدر المال بل هو نشر للحرية وانتصار لحقوق الانسان ودائماً لا يمكن وصفه بانه تدخل في الشون الداخلية لهذا البلد او ذاك.

kharroub@jpf.com.jo