ثمة «لغز»،يحيط بتلك الحماسة المُفرِطة التي يُواصلها الرئيس التركي إزاء ما يحدث في منطقة شرق الفرات السورِية،حيث الاحتلال الاميركي لتلك المنطقة والتستّر خلف مرتزقته من قوات سوريا الديمقراطية (قسد),التي تلجأ هي الاخرى لمناورة مكشوفة عندما تعود الى تكرار خطابها المتهافِت عبر دعوة الحكومة السورية الشرعية في دمشق للتدَخّل لـ»حماية المنطقة والدفاع عنها في وجه الغزو التركي المُتوقّع»,تماما كما كان رد فعلها في الغزوتين التركيتين الموصوفَتين..»درع الفرات» (24 آب 2016) وغُصن الزيتون (كانون الاول 2018),حيث أَظهرَت فيهما(قسد) تراخِياً وجُبناً في مواجهة الغزو التركي,رافِضة في الوقت نفسه كل المحاولات والوساطات التي بُذلت لتسليم تلك المناطق السورية,التي هي في معظمها مناطق عربية للجيش العربي السوري.وفضّلت ان تخضع للسيطرة التُركية,حيث تواصل أنقرة عملية تتريك مفضوحة لتلك المناطق,بما يشي ويستبطِن رغبة تركية مَحمومة بضم تلك المناطق للاراضي التركية,على غرار ما فعلَته تركيا وفرنسا,عندما ألحقتا لواء اسكندرون العربي السوري لتركيا,وبما بات يُعرَف الآن بمحافظة هاتاي,حيث تتدفّق الجحافل العسكرية التركية منها باتّجاه الاراضي السورية.
حماسة الرئيس التركي وتهديداته بغزو شرق الفرات وتطهيرها (...) من الإرهابيين الكرد وِفق وصفِه,حيث يُشكّك في رغبة حليفته الاطلسية (واشنطن) في القيام بذلك,وهي التي تعتبر مُرتزَقتها في قوات سورية الديمقراطية التي يُشكِّل كرد سوريا عمادها الرئيس ذُخراً استراتيجِياً،تُثير (حماسة اردوغان)الشُكوك في الاهداف التي يسعى الى تحقيقها,فضلاً عن جديته في مواجهة قوات الاحتلال الاميركي,التي أعلنَت وعلى لسان ناطقيها في البنتاغون,عن (شديد قلقِها من التهديدات التركية,واعتبرتها «غير مَقبولَة»,في الوقت الذي رأت فيه ان»تلك التهديدات إن تمّت ترجمتها عملياً وميدانياً,فإنها «ستُعرِّض القوات الاميركية للمخاطِر».
سَمِع اردوغان تلك التحذيرات الاميركية,لكنه واصَل تجاهُلَها,ما يعني انه قد يكون قرّر انتهاج سياسة حافة الهاوية,التي يعتقد انها قد تنفَع في إقناع واشنطن بالتخلّي عن حلفائِها الكُرد.وكان واضحاَ في التأكيد اكثر من مرة ان»ليس هناك وجود حقيقي لداعش في سوريا,وان ما يُحكى هو عبارة عن شائعات وأقاويل لا اساس لها»،,ولأن إدارة ترمب ما تزال حتى اللحظة مٌتمسكة بمرتزقتها في قوات (قسد),بل ثمة اطراف إقليمية(عربِية على وجه الخصوص),بدأت الرهان عليهم مُحاوِلة من خلالها التحرّش بتركيا ونسف مخطّطها,كصراع سياسي مفتوح وتصفية حسابات مع انقرة،فإن من غير المُتوقّع تراجُع واشنطن عن مخططها القديم الذي لم تتخلّ عنه في تقسيم سوريا,والتي تُشكِّل (قسد) أداتها»السورية»للتّخَفي خلفها,بهدف تعطيل الحل السياسي للأزمة,عبر مُطالبتِها وبإلحاح تشكيل اللجنة الدستورية,بما هي الذريعة الاكبر لواشنطن,من أجل العمل بلا كلل لتغيير/إسقاط النظام في دمشق,حيث فشلِت وكُل مُشغّلي الجماعات الارهابية في تحقيق ذلك طوال سبع سنوات ونيف.وها هي تجِد في اللجنة الدستورية التي بدأ الحديث يتواتر عن نجاح في تشكيلها,سيتم الاعلان عنه خلال ايام معدودات (قبل20 الجاري بما هو موعد تقديم ديمستورا إحاطته الأخيرة لمجلس الأمن)،فرصة للتّمسّك بمرتزقتها في قوات حماية الشعب الكردية/ قوات سوريا الديمقراطية,وايضاً لمواجهة الجيش التركي الغازي في حال لم يتراجع اردوغان في اللحظة الاخيرة عن تهديداته,التي يُترجِمها فعلاً من خلال الحشود العسكرية الضخمة التي يدفَع بها نحو وعَبر الحدود السورية,مُلوحاً هذه المرة وفي تصعيد لافت,باجتياح «منبج»حيث أقام المُحتلّون الاميركيون بالفعل,نقاط مراقبة عسكرية على الحدود السورية التركية،كانت انقرة «تأمل» ان لا تُقام، لكن المحتل الاميركي لا يتخلّى عن حساباته ومُخططاته حتى»أمام حليف أطلسي وشريك محوري للغاية» في التحالف الدولي المزعوم ضد الارهاب,كما تُروِّج واشنطن في معرض امتداحِها الغازي التُركي.
في السياق العدواني الاميركي ـــ التركي,المحمول على أطماع في الاراضي السورية,يجب عدم إهمال ما يحدث في إدلب وخصوصاً في مراقبة لعبة شراء الوقت,التي يواصِلها الرئيس التركي منذ ثلاثة اشهر مَضَت على توقيع اتفاق سوتشي الخاص بإدلب في السابع عشر من ايلول الماضي بين بوتين واردوغان،حيث لم تَفِ انقرة بتعهداتها لإخراج الارهابيين من هيئة تحرير الشام/ النصرة وحرّاس الدين,وغيرهما من المجموعات المُتطرِّفة من المنطقة منزوعة السلاح,التي تمّ الاتفاق عليها. كما أن جزءاً من حماسة اردوغان وتهديداته باجتياح شرق الفرات,يستهدف الطمس على هذا التهرّب التركي من تنفيذ الالتزامات,والتي تَندرِج في عملية التّتريك,الجارية على قدم وساق في المناطق السورِية التي سيطر عليها الغازي التركي,بعد غَزوتيه (درع الفرات وغصن الزيتون).لهذا كانت لافتة الرطانة التي تحدّث بها اردوغان,عندما تباكى على ما يحدث في مدينة منبج»التي 80% من سُكانِها من عرب»كما قال,في معرض اتهامِه واشنطن بـ»اتّباع تكتيك مُماطلة,لا يمكن إنكاره في منبج,من قِبل الولايات المتحدة,وما يزال مُتّبعاً حتى الان»،في الوقت ذاته الذي زعَم فيه «أن بلاده جنّبت إدلب ازمة انسانية كبيرة(...),مُستخلِصاً في النهاية:ان الآوان آن لتطهير شرق الفرات من الارهاب»,مُسائِلاً حليفته الاطلسية: «لماذا لا تتحرّكون معنا وتُفضِّلون التحرّك معهم؟».
لعبة اقليمية ودولية كبيرة,تبرز فيها بوضوح الاطماع الاميركية التركية,وِفق مُخططات لا تروم محارَبة الارهاب,بل ترى فيه قناعاً لإخفاء شرورها.وهنا يمكن للمرء التساؤل عن «السّر» الذي يقف خلف استمراء «كُرد سوريا» وقبولِهم,ان يكونوا بيادق في يَد مَن لا يريدون لهم ولوطنهم السوري الخير؟وكيف لا يستخلصون دروس التاريخ وعبره من»عَدوّيْهِم» الاميركي والتركي,في خذلانهم وتقديمهم قرابين لمصالحهم الانانية؟في الوقت نفسه الذي يريدون من دمشق»أن تقِف الى جانبهم,فيما يرون فيها «عدواً» لهم,ويواصِلون إطلاق التصريحات الهاذِية,التي يعتبرون فيها مُجرّد عودة «النظام» الى مناطق سيطرتِهم بمعونة وحماية بنادِق المُحتلّ الاميركي...إنتصار لطهران وموسكو؟
kharroub@jpf.com.jo
هل يُنفّذ أردوغان تَهديداتِه.. باجتياح شرق الفرات؟
11:15 15-12-2018
آخر تعديل :
السبت