كتاب

حرية التعبير.. طموح للتعمير لا للتدمير

يبحث الإنسان عن تحقيق طموحاته لأجل حياة أمثل، وهذا حق مشروع لا يمنعه عنه أحد، ولكننا نعيش أحيانا اضطرابات في فهم الطموحات وطريقة تحقيقها، فنسمع طرقا ولا نرى مسمارا، فالعجلة لا تعطي مسوغا لتحقيق الحياة الأمثل، ولا الطيش يسهل الطريق أمام الاعتداء على الآخرين، أو تجاوز الحدود معهم بادعاء المسموح به، أو تحت راية: (حرية التعبير).

فالسعي الجادّ لتذليل العقبات أمام تحقيق الطموحات يأتي عن طريق منهجية تتلاءم مع متطلبات الطموح والمجتمع الذي يسري فيه. وهنا يلزمنا التعبير القويم عن ذلك الطموح ضمن إطار الحياة التي نريد تحقيقها، ومن خلال حرية التعبير التي يمكنها بناء أواصر المحبة بيننا، في تواصل مجتمعيّ يرتقي بالإنسان ورغباته.

إنّ حرية التعبير بالقول والفعل ليست نذير شؤم على البلاد والعباد، وليست إِذْنًا للعداوة والتعدي والاستخفاف بالآخرين. بل هي لبنة في حياة الأمم للتعمير لا للتدمير، فمحاربة القانون والاعتداء على الثوابت الدينية والمجتمعية والوطنية، تحت بند: (حرية التعبير)، فمن حقّ الآخرين أن يعبروا عن تلك المخالفات بما ينسجم مع القانون فيكونون أوفق وأوثق.

إنّ المبادئ والقيم، لا تسمح للإنسان أن يكسر خواطر الناس بكلمة يتفوه بها مدعيًا الحرية، فالعقلاء يتفقون بأنّ جرحَ الكلام أنكى من جرح الحسام، والحرية بالعبث في مقدرات الأمة والوطن، هي طريق وطريقة للتدمير لا للتعمير، فحرية التعبير لا تملك المرور على مشاعر الناس ولا أوجاعهم. فيلزمنا ما يلزم غيرنا من وضع أسس واضحة لحرية التعبير بما يحقق المصلحة العامة، تلك المصلحة التي هي أساس تمكين الناس من حرية التعبير أصلا وفصلا.

فما من اثنين يجتمعان، أحدهما يؤمن بفكرة والآخر يرى نقيضها، إلا وحرية التعبير تُلزم صاحبَيْ الفِكرتين باحترام الآخر. وأما إذا كان الآخر وطنًا أو مجتمعًا أو شخصيةً اعتبارية لها مكانتها، فهنا حرية التعبير يكون مداها ضيقاً.

فلا يأتي أحدهم ويشتم أمة لم تشتمه ولم تأت على طرف له ولم تطمسْ هويته، ونقول شتمه من حقه لامتلاكه حرية التعبير. وفي المقابل لا نهضم حق إنسان أبدى فكرته ضمن حدود القانون والأدب والإنسانية يطالب بحق شخصيّ له أو لمجموع يحملون نفس الهموم، فله أن يتكلم بحرية ويعبر عن دواخله. وهنا يلزمنا الإشارة إلى أمور حسب فهمي للحرية بمفهومها العام، منها:

أولا: حرية التعبير للتعمير لا للتدمير.

ثانيًا: حرية التعبير تعبر عن حرية الإنسان الناطق بها، والقانون هو الذي سمح بحرية التعبير، فليس من حقنا تجاوز القانون حين تطبيقه.

ثالثًا: حرية التعبير لا تعني قانونا مستقلا يمشي عليه شخص حسبما يراه مناسبا. فينبغي التوقف عن حرية التعبير التي تؤدي إلى كارثة في حياة إنسان آخر، أو في مجتمع أو في وطن. على القاعدة الفقهية: (الأمور تقدر بقدرها)

رابعا: حرية التعبير ليست في كل وقت وبأي شكل كان، بل لها ضوابط يحددها المحيط لذلك التعبير، كيف ومتى وبماذا ولمن وعمن... ضمن أمور ينبغي معرفتها، تماما كما يعرف أحدنا أن له الحق في التعبير.

وأخيرا: حرية التعبير في الدين الإسلامي ذات أفق واسع، وتؤكد حماية الضرورات الخمس، فالإسلام يمنع إيذاء الآخرين بالفعل: (أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْـمُقْسِطِينَ(سورة الممتحِنَة:8) والكلمة: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ (سورة الأنعام: 108). فمن أراد حرية التعبير فليكن همُّه التعمير.. لا غير.

agaweed2007@yahoo.com