كتاب

ماكرون: «الآن عرفتكم»!!



بعد اسبوع، يحتفل الرئيس الفرنسي ماكرون بعيد ميلاده وهو في أسوأ حالاته، لأن اصحاب «السترات الصفر» حوّلوا واقعه الى جحيم، وكان ذلك واضحا في ظهوره الضعيف على شاشة التلفزيون موجها خطابه الى الأمة.

عندما شاهدت الرئيس ماكرون على الفضائيات يتحدث عن الأزمة العميقة واعمال الشغب ويقدم الوعود بالحوار الوطني والاصلاحات، ويردد عبارات استجداء واسترضاء الجماهير الغاضبة، تذكرت الخطاب الوداعي للرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الذي تحدث بذات اللغة واعطى نفس الوعود حين قال لشعبه: « الآن فهمتكم».

انا على يقين بأن الرئيس الفرنسي بخطابه المشحون بالعاطفة، والاجراءات التي اتخذها، لن يحل المشكلة وينهي الأزمة، فالمشكلة اكبر وأكثر تعقيدا، لأنها أزمة اقتصادية سياسية اجتماعية متشابكة، أدخلت أطرافا مضادة الى حلبة الصراع على السلطة وفتحت شهيتهم السلطوية، خصوصا عندما نعرف أن أحزابا يمينية متطرفة ويسارية معارضة وعوامل خارجية مؤثرة تضافرت ضد النظام الحالي.

لذلك اتحدث عن ازمة فرنسا في محطتين، الاولى داخلية والثانية اوروبية:

في الداخل، هناك ازمة اقتصادية ألقت بظلالها على مستوى معيشة ابناء الطبقتين الوسطى والفقيرة، زادتها تعقيدا التعديلات الضريبية وارتفاع اسعار الوقود وسلع اخرى، وكانت الشرارة التي اشعلت الشارع وأخرجت اصحاب «السترات الصفر» عن صمتهم، وبالتالي تحولت التظاهرات السلمية المطلبية الى اعمال عنف وشغب وحرائق في موسم الأعياد.

وعندما تحدث حراكات مطلبية عفوية التي بلا قيادة، يتم اختطافها أو انحرافها عن أهدافها الاصلاحية بسهولة، لذلك ظهرت اصوات جديدة يمينية منطرفة ويسارية تطالب بانتخابات مبكرة محاولة توظيف نتائج هذا الحراك لصالحها، في وقت ظهر فيه الرئيس ماكرون غير قادر على ايجاد حلول للمشكلة، وخصوصا أن المزيد من الضرائب يعيق الاستثمار ويمنع زيادة الانتاج ويقتل الاقتصاد ولا يحقق النمو المنشود، وبالتالي لا يوفر الايرادات المرجوة لحل الازمة الاقتصادية القائمة.

اما بالنسبة للمؤثرات الخارجية ارى أن هناك ازمة اقتصادية دولية ناتجة عن تخبط وارتباك في قرارات ادارة أكبر دولة رأسمالية، وهي مسؤولة عن الفوضى الاقتصادية والمالية في العالم الناتجة عن التلاعب بالعملات وعرقلة انسياب السلع واعاقة النمو الاقتصادي في أكثر من دولة، لأنها تملك 30% من انتاج العالم.

لا اعتقد أن ما يحدث عفويا، بل عن قصد وتصميم، وهنا نشير لدور البنك الدولي والصندوق الدولي ومنظمة التجارة العالمية في خدمة مصالح واهداف الولايات المتحدة، وبالتالي اخضاع الشعوب والدول وسلبها حريتها وقراراتها السيادية.

ويجب أن لا نتجاهل العقوبات الاقتصادية التي تفرضها ادارة ترمب على عدد من الدول والغاء اتفاقيات جمركية متجاهلة بنود وقيود منظمة التجارة الدولية، لذلك ارى أن واشنطن تسعى الى فعل خلل في النظام الاقتصادي الدولي، لاضعاف صادرات الدول المنافسة، ولا استبعد هدف تفكيك الاتحاد الاوروبي، من خلال مسلسل الازمات الاقتصادية، كما حدث في اليونان وايطاليا وفرنسا، وخروج بريطانيا من الاتحاد، وتحويل المانيا الى خزان للمهاجرين ووضعها تحت ضغط اقتصادي وانساني منهك، وكله يهدف الى ابقاء اوروبا في خانة الطاعة والتبعية للولايات المتحدة، أو تفكيك الاتحاد، واحداث تغيير اوروبي نحو اليمين المحافظ العنصري، وهي الفرصة التي تخلقها هذه الفوضى خصوصا أن المجتمعات الغربية كلها تتحرك نحو اليمين.